20 أبريل، 2008

لن يكون لنا صوت على مدى الدهر ما لم يكن لنا تنظيم سياسي

علي سيدو رشو
رئيس رابطة المثقفين الأيزيديين في العراق
rashoali@yahoo.com

لقد أرتايت بان لا أرد على ما يصدر من نقد لكي لا ندخل في مهاترات ونضيع الوقت على ما هو غير مفيد وغير مجدِ ونشحن الصفحات التي من الأفضل أن تستثمر لما فيه خيرالمجتمع العراقي والإيزيدي منه بشكل خاص، والحقيقة رأينا الرد من قبلكم في بداية الصفحة على السيد نايف كافياً. لذا نقول بأن الوضع الحالي في العراق بالغ التعقيد بحيث أن الحرب على العراق قد تحولت إلى حرب في العراق ومن ثم إلى حرب بعض العراق ضد البعض الآخر، لا بل إلى حرب بعض هذا البعض ضد البعض الآخر وهكذا إلى أن اصبح الصراع داخل النفس الواحدة بدا يشكل خطراً يجب أن يحسب له ألف حساب. ويبدو ان هذا الخطر قد تجاوز حدود العراق وأصاب عدواه البعض من مجتمعنا الايزيدي الكريم في المهجر والذي لا يرى النور ولا يقرأ المستقبل إلاّ من خلال الاعلام الموجه الذي لا يختلف عن سابقه، ولا يعرف ماذا يجري على الأرض من وقائع، أو من ما يطرحه بعض الذين كسبوا الشهرة على حساب الأيزيدياتي، ومن ثم باعوا قماشهم الثمين في الاسواق الرخيصة وبسعر (البالة). فوا أسفاه لمثل هذا الذي يحصل!
إن المتتبع لمثل هكذا انتقادات لاذعة وكتابات غير مبررة بحق الذين يكتبون عن معاناة الأيزيدية. إما إنهم لا يؤمنون بانتمائهم الأيزيدي أو إنهم مأجورون بأوراق خضراء على مثل الأخت الكريمة هيام . ورغم جهل وجهالة الناطقين بها، نرى بأن الأمر لا يخلوا من دس السم في العسل. حيث يظهر بين حين وآخر كلام يبدو لناظره على أنه ينم عن تعصب لجهة معينة أو قد تم استغلال بساطته وجهله السياسي. ولكن بعد فترة يظهر بأن هذا الشخص قد كوفيء من قبل حزب سياسي معين، مما يوحي بأن للموضوع صلات أخرى غير ما تم الافصاح عن ما وراء القصد المعلن. لذلك سوف نأخذ تهديد السيد نايف على محمل الجد، خاصة وإنه يمثل جهة سياسية وتطاول على شخصيات وأحزاب سياسية ومنظمات جماهيرية تعني بقضايا المجتمع المدني والطعن في مصداقياتهم بمسمياتها. وسوف نمرر هذا الموضوع، بل وقد أعلمنا الكثيرمن المنظمات العالمية المعنية بحقوق الأنسان بالأمر لكي تقف على حقيقة ما يعانية المجتمع الأيزيدي اليوم قبل أي وقت آخر نتيجة التدخل الحيوي في تغيير مسار حياته بتسخير وتمويل مأجورين بعد التحول الديمقراطي الذي كنا نتأمله عقب سقوط النظام، وسوف نهتم بمثل هكذا كتابات وتهديدات لانها تعبر عن مواقف قوى سياسية وليست ردود أفعال لأشخاص.
لقد أطلعت على واقع الكيانات السياسية التي سوف تشترك في العملية الأنتخابية في الثلاثين من هذا الشهر، وأن عدد الأحزاب الكردية التي ستساهم في تلك العملية بلغ ستة عشر حزباً سياسياً عدا الشخصيات والأفراد المستقلة، وهم : ( حزب المحافظين الكردستاني، التيار الوطني الكردستاني، حزب ديمقراطيي كردستان، الحركة الديمقراطية لشعب كردستان، الحزب الشيوعي الكردستاني، الحزب الأشنراكي الديمقراطي الكردستاني، حزب الحل الديمقراطي الكردستاني، جماعة المستقلين الأكراد، الجماعة الأسلامية الكردستانية، حزب العمل الديمقراطي الكردستاني، الحزب الديمقراطي الكردستاني، حزب الأتحاد الوطني الكردستاني، حزب العمل الكردستاني، الاتحاد الاسلامي الكردستاني، الاتحاد القومي الكردستاني، حركة فلاحي ومضطهدي كردستان، وحزب كادحي كردستان). أما الأحزاب الكلدوآشورية ( المسيحية)، فهي الأخرى: حزب بيث النهرين الديمقراطي، حزب الأتحاد الديمقراطي الكلداني، الحزب الوطني الاشوري، حركة تجمع السريان المستقل، المجلس القومي الكلداني، والحركة الديمقراطية الآشورية، إضافة إلى الأحزاب والتجمعات التركمانية ظمن أقليم كردستان، ولكنني لم أجد فيه حصة للإيزيديين.
إننا نسأل الأيزيديين أولاً ثم أية جهة وأي صاحب ضمير قد مورس الاضطهاد بحقه في العراق، أليس من حق الإيزيديين أن يكون لهم تمثيل سياسي ضمن هذه التشكيلة في المنطقة التي تدعي بها الأحزاب الكردية على أنها جزء من كردستان؟ وإذا كان الجواب بالايجاب، لماذا هذا الضغط على الحركة الإيزيدية الفتية تحديدأ، والتي تأسست على أخطاء الأحزاب الكردية الرئيسية في مناطق سكنى الأيزيدية ومحاربتها؟ ثم لماذا لم تشترك شخصية إيزيدية ولو من الأحزاب الكردية في مؤتمر أربيل يوم السادس والعشرين من الشهرالماضي عند وضع آلية قائمة أقليم كردستان لانتخابات المجلس الوطني؟. وهل من الخطأ أن يصبح هناك تعاون سياسي فيما بين الحركة الأيزيدية والأحزاب الكردية؟ أو على الأقل تمثيل سياسي إيزيدي؟ ثم هل من الجائز هذه الحرب على كل ما يعبر عن نهضة وصحوة تطالب بالخصوصية الأيزيدية؟ أليس يعتبر الدين من العوامل المهمة والرئيسية في تمييز وخصوصية الشعوب حتى ولو كانوا من نفس القومية؟ ثم لماذا هذا التركيز على تغطية الديانة الأيزيدية وتغليفها بالقومية الكردية؟ فليكن بعلم جميع المجتمع الأيزيدي، أنه سوف لن يكون له صوت على مدى الدهر ما لم يكن له تنظيم سياسي. وقد قيل الكثير أيضاً بحق منظات المجتمع المدني الإيزيدية على إنها فقاعات سرعان ما تطوف وتنتهي. ويبدوا أن قصيري النظر قد بنوا أفكارهم على مستوى التعامل مع بعض ضعاف النفوس من الذين يسيل لعابهم على المادة، ثم نرى بأن الأحزاب الكردية تستكثر على ثلاثة أرباع مليون إنسان إيزيدي مضطهد على مر التاريخ (و جزء أساسي من هذا الأضطهاد الديني جرى عليه بفتاوى وحشد عسكري من رجال دين أكراد)، أي نشاط فكري أو سياسة مستقلة عنها تهتم بالخصوصية الأيزيدية. واليوم يتباكون على حقنا وكأننا مجموعة أيتام وليس فينا من يستطيع أن يطالب بحقه إلاً من خلالهم. إننا نضع بعض هذه الأمور أمام السادة الإيزيديين الذين عاشوا فترة طويلة في بلدان المهجر ونقول لهم، أليس كان من الأشرف بكم تشكيل تنظيم سياسي يطالب بحق المجتمع الأيزيدي حاله حال جميع الحركات السياسية التي بدأت تطالب بحق مواطنيها بعد سقوط النظام وكنتم على دراية بتغيير الواقع الحتمي لسياسة العراق؟ ثم تضيفون إلى قوة الأحزاب الكردية قوة إضافية اخرى بدلاً من الاستجداء. وبدلاً من ذلك تكيلون التهم إلى الحركة الفتية الأيزيدية ومنظمات المجتمع المدني التي حملت هموم هذا الشعب الذي أبتلى بمثل هذه الأفكار الضيقة التي تطالبون بها للغير على حساب مجتمعكم، في الوقت الذي كان من الواجب أن تتبنوا أنتم دعم هذه المنظمات بشكل خاص لأنكم تعلمون أهميتها في ظل التحول الديمقراطي للمجتمعات، خاصة وأنتم تعيشون في بلدان قطعت أشواطاً في هذا المظمار. فيا لبئس التفكير والقصور في الرؤية لمستقبل ما سيحل عليكم ولكن بعد فوات وحيث لا ينفع الندم. فنحن نرى الأمور هكذا وستكون مطاليبنا بحجم معاناتنا ولا ننظر إلى فتح مقر للحزب في قرية نائية تبلغ الأمية فيها 95% على أنه إنجاز ديمقراطي، ولا ننظر إلى الخيم والكراسي ومقرات الأحزاب في القرى الأيزيدية إلاّ تعبيراً عن الاستخفاف بمستوى الأيزيدية والتركيز على نفس الذوات التي كانت تعمل لحساب مخابرات النظام البائد على حساب مستقبل الفقراء وتقوية دورهم ونفوذهم في الوقت الحاضرأيضاً ليكونوا عملاء لهم كما كانوا في السابق، أو التركيز على تدريس اللغة الكردية في وسط عربي حيث لا يختلف الوضع معه عن الأمية. بل نحترم جهود الأحزاب عندما تضع برنامجاً واضحاً لتغيير البنية التحتية لبناء الأنسان وتنمية افكاره بحيث يستوعب التقدم والتكنولوجيا في هذا العصر وفتح مراكز التأهيل والتدريب والتطوير والأهتمام بالمرأة والتركيز على الخدمات الاساسية كالتعليم والصحة والمواصلات والمشاريع الزراعية والبطالة، وليس من يدخلنا في متاهات الكسب الحزبي والمنافسات الحزبية الضيقة التي ولّى زمنها بعد فشل مريع لتجربة حزب البعث في العراق طيلة عقود من تاريخ العراق الأسود،
لقد تم تشكيل قوائم الترشيح للمجلسين الوطني والكردستاني، وجاءت نسبة تمثيل الأيزيدية بمثل ما كان متوقعاً. ونسأل الأيزيديين من الذين يتباكون على حقوق الأكراد، كم من مأساة ، كمأساة كحلبجة جرت على الواقع الأيزيدي وكم من تلك الكوارث والمآسي كانت من الزعامات الكردية بفتاوى من رجال الدين الأكراد ، ولعل كلي علي بيك خير شاهد على كلامي هذا. ثم هل من العيب أن تذكر الأكراد في جميع المحافل الدولية مأساة حلبجة على شعبها؟ وإذا كان هذا مشروعاً فلماذا نخجل من أن نذكر نحن ما جرى علينا لكي تكون لنا الشرعية في المطالبة بحقنا. ثم هل تم ذكر الأيزيديين المدفونين في المقابر الجماعية، أو الفقودين تحت أسم الأيزيدية أم ورد أسماءهم كاكراد؟ إذن ما هي الخصوصية؟وماذا تعني الخصوصية؟ ومن من هؤلاء المرشحين يمثل 1% من طموحات المجتمع الأيزيدي؟ ومن منهم يستطيع أن ينطق بكلمة إيزيدي إذا لم يسبقها بكلمة الكرد؟ وماذا قدموا للقضية الأيزيدية كمجتمع له خصوصيته الدينية في تاريخ حياتهم؟ ولكن سوف يطرح الكثيرين دور السيد خدر سليمان وعزالدين سليم وغيرهم في الكتابة والتأليف ولهم الحق في ذلك، وإننا بدورنا نسأل، أين هم الآن من ذلك؟ وهذا واضح وضوح الشمس بأن الأحزاب الكردية تعتم بكل طاقاتها على الواقع الأيزيدي بحيث لا يحصل فيه نهضة مهما كانت قوتها. ولكي ندعم كلامنا هذا بالحقائق نشير إلى ما حصل مع مكتب شؤون الأيزيدية في السليمانية يوم السادس والعشرين من شهر نوفمبر الماضي. لقد دعينا من خلال السيد سمير بابا شيخ إلى تسجيل بعض الطلبات التي تخدم عمل المنظمات الأيزيدية غير الحكومية. وقمنا بتقديم طلب يتضمن الآتي:1- جهاز استنساخ لخدمات الطلبة الفقراء في الجامعة لما يكلفهم من تصوير المحاضرات وكذلك خدمات الرابطة 2- جهاز حاسوب عدد/2 لاقامة الدورات، 3- كاميرا فيديو لتسجيل نشاطات الرابطة و4- مبلغ أربعة ملايين دينار لتغطية إيجار المكتب. وعندما وصل الطلب إلى مكتب شؤون الأيزيدية المتشكل حديثاً، ونعلم بأن معظم أعضائه من الأصدقاء الذين تعاملنا معهم سوية في تأسيس رابطة المثقفين الأيزيديين في الموصل عام 2003، استبشرنا خيراً. وبعد فترة أسبوع دعينا إلى ضيافة كريمة في السليمانية، وعقدنا لقاء في اليوم التالي بحضور السادة جميل خضر عبدال وعادل ناصر. فاستمر النقاش بيننا لفترة ثلاث ساعات وكأننا في صراع سياسي، ثم طلبت بعد طول حديث، ما هو المطلوب منا بناءً على هذه الدعوة؟ فكان ( الجواب الرسمي) هو أن الكردياتي هو الخط الأحمر بالنسبة لأي تعامل من جانبنا. ولكننا ردينا مباشرة بأن الأيزيدياتي هو الخط الأحمر بالنسبة لنا. وقلنا إذا كانت الأيزيدياتي تتقاطع مع الكردياتي، فإننا جملةً وتفصيلاً مع القضية الأيزيدية وسوف لن يتقدم عليها شأن. ومع ذلك رجعنا إلى الموصل وعقدنا إجتماعاً في الرابطة لدراسة الفكرة لكي يكون الرأي جماعي، فكانت القناعة بأننا نرفض أي عمل يخدش استقلاليتنا. ثم أرسلنا لهم رسالة بهذا الشأن، ولكن للأسف لم يتم الرد عليها وسوف لن يتم الرد، حيث قالوا بأن موقفكم من الكردياتي غير واضح. إذاً بماذا يختلف هذا المكتب عن اللجنة الأستشارية إنهما مكاتب حزبية تخدم مصلحة أحزابها على الرغم من إنهم قالوا بأننا لا نطلب أي توجه سياسي ولكن لم ينفذوا أي مطلب غير سياسي أيضاً. وكان السيد حسين مرعان قبل أن يصبح رئيس هذا المكتب قد دعم الرابطة في بداية تأسيسها وجمع من أهالي محلة دنكي من الشيخان في المانيا مبلغ 200 يورو أيضاً مشكورين، ولكن حديثنا هو عن ما بعد تشكيل المكاتب والمجالس الأستشارية لدى كلا الحزبين. أي أن هذه المكاتب لا تستطيع تقديم أي دعم إلاّ على حساب المستقبل الأيزيدي لصالح الأحزاب الكردية، ( تصوروا المطلب والمطلوب!). ومن ناحية تعيين الدكتور ممو وزيراً في الوزارة الجديدة، كان هو الآخر بجهود الحركة الأيزيدية من أجل الاصلاح والتقدم. وعندما علمت الاحزاب الكردية بحتمية التعيين بضغط أمريكي وبعض أعضاء مجلس الحكم، سارعوا وبشكل خاص الحزب الديمقراطي الكردستاني وتحديداً في فجر اليوم الذي تم تعيين الوزراء فيه. واتصلت القيادة الكردية بالأمير تحسين بك والمجلس الاستشاري لتسمية وزير إيزيدي، وقد تم اقتراح الدكتور ممو من اللجنة الاستشارية، ولم يكن تحسين بك موافقاً عليه، ولكنه تنازل نتيجة لضغط اللجنة. وأن ما يؤيد كلامي هذا هو قول الدكتور فؤاد معصوم عندما قال لي شخصياً وبحضور عيدو بابا شيخ، بأنه تركنا مجلس الوزراء ليلاً ولم يكن أسم وزير إيزيدي ضمن التشكيلة الوزارية. ولكن عندما أصبحنا وتم طرح التشكيلات برز أسم الدكتور ممو من بين الوزراء كوزير إيزيدي. فإننا نشكر كل جهد ساهم في هذا الانجاز، ولكن التعمية على كل ما هو ناهض بأسم الايزيدية واعتباره فقاعة، فهذا ما يؤسف له وما نريد من مجتمعنا أن يتعلم منه الدرس.
ولكي نتفهم الأمور بدقة ونفهِمها، يجب علينا دراسة الواقع الجيوسياسي للإيزيديين على ضوء الوضع الراهن وما يكتنفه من غموض وتستر وتعمية على مستقبله. فمن الواضح أن مناطق سكنى الأيزيدية في كل من الشيخان وتلكيف والقوش وبعشيقة هي مناطق تقع ضمن خط الأمان لحدود كردستان، وأن المراكز الدينية الأيزيدية تقع هي الأخرى في نفس المنطقة وهي عامل حيوي وكبير. ولكن ولكي لا يفهم بأننا لسنا راغبين بالانضمام إلى كردستان ونتيجة لما حصلت من مأساة تاريخية لهذه المراكز الدينية سواء من الدولة العثمانية أو العرب أو الأكراد، يفضل أن تكون هناك حماية وضمانة من الامم المتحدة بعدم التجاوز عليها مستقبلاً مع حرية التعبير عن الشعائر واداء الطقوس. لذلك نرى بأن الانضمام إلى التكوينة الكردستانية بدون ضمانات وتحقيق نسب التمثيل على أساس النسبة السكانية وحرية التعددية السياسية وقبول الرأي الآخر والخصوصية الدينية الأيزيدية، هو الذوبان الذي سوف لن تكون له قائمة. وسوف تكون المناطق المذكورة واقعة بين كفتي الرحى التي ستطالها المأساة أول الأمر ومن الطرفين، خاصة إذا ما عرفنا بأنه الآن بدأت بوادر الحرب الأهلية فيما بين العرب والأكراد كمجتمعات وليس كالسابق عندما كانت الحرب فيما بين القيادات السياسية. أي أننا نرى ما يجري من أحداث حالياً ونتعايشها ساعة بساعة ونتلمس مقدار البغض الذي استشرى فيما بين العرب والاكراد كشعوب وليس كسياسات نذير بمثل هكذا فعل. وبذلك سوف يضاف عامل البغض القومي الكردي إلى البغض الديني الأيزيدي وسوف يقع علينا الضرر من كلا الطرفين، أي أن في هذه الحالة (الضمانات)، هي التي يجب أن تكون الأساس في التعامل وليست العاطفة القومية والمصالح الشخصية.
ومن قرائتنا للواقع السياسي الحالي نرى، بأنه القيادات الكردية ممثلة بالحزبين الرئيسيين، الإتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني قد توصلا بشكل جدي إلى قرار إقامة الدولة الكردية كمطلب رئيسي على الرغم من أن المطالبة تجري حالياً على أساس الفيدرالية للعراق. وهذا يعتبر في قناعتنا حق شرعي وطبيعي لشعب بهذا العدد وقدم تضحيات بهذا الحجم على مر التاريخ وإننا على قناعة تامة بأن الأكراد سوف يحصلون على إقامة دولتهم في المستقبل. أي أن المشكلة الكردية سوف تنحل ولو على مستوى العراق فقط لتكون القاعدة للإنطلاق إلى دول الجوار للمطالبة بالدولة الكردية الأوسع والأشمل. ولكن واقع مجتمعات الشرق الأوسط السياسية يشير إلى أنه ستحصل خلافات فيما بين الحزبين الرئيسيين على الزعامة وتقسيم الثروات والتقسيم السياسي، بسبب الاختلاف الآيديولوجي ومصالح الدول الكبرى في المنطقة. لذا ما هو موقع الأيزيدية من هذا التقسيم إذا ما عرفنا بأن جزء منهم سيتبع الحزب الديمقراطي وجزء آخر سيتبع حزب الاتحاد والبقية سوف يبقون بدون أرضية سياسية وسيكون مصيرهم مجهولاً لا يحسدون، وهذا يتطلب عمل سياسي حتمي للإيزيدية وإلاّ سيعيشون على الشحذ والتبعية المهينة والتشرذم.
أما الجانب الآخر من الموضوع والذي يخص واقع الأيزيدية في مثل هكذا ظرف، نرى بأنه عند تحقيق الحلم الكردي في إقامة دولته سوف تتغير الآليات والاجراءات على أرض الواقع. وأن عامل اللغة سيسهل الاختلاط ونية العنصر المسلم الكردي تجاه العنصر الأيزيدي معروفة وخاصة من ناحية الاختلاط الجنسي. فإن المسلم الكردي سوف لا يتوانى بأية طريقة للمطالبة بالصهر العرقي على أساس إننا كلنا أكراد مثلما يحصل الآن في سوريا وتركيا وأرمينيا والخاسر الوحيد هو الأيزيدي. لذا عندما نطالب بالخصوصية الإيزيدية نقصد هكذا مطاليب حيث الأرث والنكاح والميراث والنفقات والتراث الديني والاجتماعي وقانون الاحوال الشخصية هو الذي يحمي كرامة ومستقبل الشعوب وخصوصيتها، وإلاّ لا يهمني ما تكون قوميتي مطلقاً وإنما المهم هو الخصوصية الأيزيدية وأن الأدلة التاريخية لم تأتِ بشكل اعتباطي كما وأن وضع مصيرنا بيد من يحسبنا على الكفار لابد وأن يكشف عن نياته في يوم ما وقد لا تستطيع آنذاك أن تطالب بما تستطيع المطالبة به الآن. لانه هنالك فرق كبير بين الخصوصية الدينية والخصوصية القومية فيما إذا كان هناك اختلاف ديني فيما بين عنصرين ينتميان لنفس الفكر القومي كما نحن عليه الآن. فالتعاون السياسي مطلوب، ولكن ليس على حساب الدين.
وبعد هذه النظرة إلى الواقع، ليس لنا أي حق على القيادات الكردية قبل أن نلق باللوم على قيادلتنا الهزيلة ممثلة بسمو الأمير تحسين بك ونائبه الأمير فاروق بك وسماحة بابا شيخ وكبير القوالين وعدد من رؤوساء العشائر ممن لا يرون الدنيا إلاّ من خلال المصلحة الضيقة التي أحجبت عنهم مصير مئات الآلاف. وسوف يتحملون مأساة ما يترتب علىهذا الخطأ التاريخي، وقد أعلنا مرات عديدة بأن المطلوب هو بناء الشخصية الأيزيدية على أساس خصوصيتها ومن ثم التعامل مع الأحزاب الكردية هو من أقرب الواجبات إلينا. ولكنه دوماً يفسرها ( الأخوان من الكرد الأيزيديين) بأنني ضد القومية الكردية، وحاشى لله أن يكون لي مثل هذا الشأن، وأن العمل الحزبي في أي مكان هو حق مشروع للأحزاب السياسية. كما و إنني على ثقة بأن عشرات الانتقادات ستنهال عليّ ولكن سوف لن أرد سوى على تصحيح ما يرد من خطأ في الفهم. والعجب من الأمر عندما يطالب الأخوة الكتّاب مثل زهير كاظم أو كمال السيد قادر عن الخصوصية الإيزيدية لم يرد عليهم أحد من اخواننا الكرد الأيزيديين، ولكن الردود تقتصر وتنهال على كل إيزيدي يكتب عن معاناته ويطالب بخصوصية الأيزيديين.
أما واقع الأمر في سنجار فهو الآخر بحاجة إلى تحليل، حيث إنه مجتمع عشائري أمي متخلف سياسياً وثقافياً، ومتدهور اقتصادياً ومعيشياً ومقسم إلى واقع طبقي تحكمه مصالح الشيوخ والوجهاء، وقد أخذت العادات والتقاليد البدائية منه حصة الأسد رغم النهضة الواعية فيه في الوقت الحاضر. يضاف إلى ذلك ما اقترفت بحقه سلطة النظام السابق وذلك من خلال التهجير والترحيل في مجمعات قسرية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة المدنية ومن ثم سلب إرادته الانسانية وتجميع أعداء الأمس في نفس الحارة من نفس القرية بشكل متعمد لكي يزداد العنف ولا يستقر المجتمع. وكذلك الواقع والاختلاف السكاني لعموم مجتمع سنجار من الأيزيديين والعرب المسلمين بمختلف الأطياف والمسلمين الأكراد والتركمان وبعد المنطقة جغرافياً عن كردستان ووجود الحاجز الطبيعي (نهر دجلة)، وتبعية سنجار إلى محافظة نينوى منذ الآف السنين والارتباط النفسي بهذه المحافظة، واتهام العرب والتركمان للإيزيديين بأنهم السبب في دخول القوات الكردية إلى سنجار، كل هذه عوامل يجب أن يحسب لها ألف حساب قبل أي تصرّف عملي من قبل المجتمع الأيزيدي في سنجار وتحديد عائديته السياسية، وإلاّ سيكون للإيزيديين شأن آخر في المستقبل مع جيرانهم الذين عاشوا سوية منذ الآف السنين.
إذن وعلى أساس هذه الرؤية نرى، بأنه من أولى الواجبات التي تقع على عاتقنا هو القيام بعمل سياسي منسق يبدأ من الحركة الأيزيدية من أجل الاصلاح والتقدم كونها الحركة السياسية الوحيدة التي تبنت القضية الأيزيدية منذ أول الأمر ولحد الآن مهما كانت قناعاتنا بها. وأن تبادر الحركة بالدعوة إلى عقد مؤتمر يدعو إليها معظم الأيزيدية في مختلف المناطق من الامارة ورجال الدين والمثقفين والعشائر والنساء والطلبة والشباب وعلى مدى يوم واحد يتم فيه مناقشة الأمر ومن ثم تصاغ لجنة لأصدار بيان وتغيير أسم الحركة إلى حزب الشعب الأيزيدي . ولكي لا يساء الفهم من قبل الأحزاب الكردية، فإن هذا العمل ليس إلاّ جانب تنظيمي يصب في مصلحة الأيزيديين والأكراد في آن معاً. لانه لا يعقل أن يمنع تنظيم معين من العمل السياسي في عصر الديمقراطية والتعددية والمصالحة الوطنية، وإلاّ فسيظهر نظام الحزب الواحد من جديد ويدور البلد في نفس الفلك السابق، ولكن بأبراج مختلفة.


علي سيدو رشو / رئيس رابطة المثقفين الأيزيديين في العراق
rashoali@yahoo.com
الموصل في 23/كانون الثاني/2005

تشكيل حزب إيزيدي


علي سيدو رشو

الاخوة الاعزاء المحترمينبارك الله في أي جهد يساهم وبأي قدر كان في خلق نهضة بين عموم الشعب الإيزيدي لكي يفهم دوره في هذه الدنيا التي باتت قرية صغيرة ولكنه لايعلم منها سوى أبناء محلته وقد لم يتسنى له التعرف عليهم جميعاً بسبب الجهل السياسي والضعف الاقتصادي. ولكن هذا ليس عيباً لمجتمع مثل الإيزيديين في وسط إجتماعي وسياسي معروف، إذا ما قارناه مع محيطه الذي لا يختلف عنه سوى في البعد والقرب من مركز الحضارة والتواصل والتي تحكمها عوامل عديدة.أخي الفاضل غانم/ كتبت مقال في 23/12/2005 على صفحة بحزاني الالكترونية ووضحت فيه بعض أهم العوامل التي يمكن أن تنهض بواقعنا في العراق الجديد، وتطرقت فيه أيضاً على واقع الكيانات السياسية والكردية منها بشكل خاص. ثم تطرقت إلى الواقع السياسي في منطقة كردستان والدور المهمش بتعمد حسب استحقاق الإيزيديين فيه، وكذلك دور القيادة الإيزيدية الضعيف والمغيب في كل ما يجري. وطلبت أن يكون هنالك تفعيل عمل الحركة الإيزيدية من أجل الاصلاح والتقدم ولنسميه مثلاً حزب الشعب الإيزيدي بعد مؤتمر عام لجميع القوى والشخصيات الإيزيدية، وتلقيت ردود كثيرة بهذا الخصوص وزرت مقر الحركة وتناقشنا بذلك وكان لهم نفس الرأي ولكن بما يخدم أهداف الحركة (أرجو مراجعته).أعزائي/ لدينا حزب سياسي إيزيدي (الحركة الإيزيدية من اجل الإصلاح والتقدم) ولها حضور في جميع المحافل السياسية العراقية ونشاط واضح ومتميز، فلماذا لا نطور هذه الحركة التي مضى على تأسيسها أكثر من سنتين وقطعت شوطاً في العملية السياسية بدلاً من التفكير بالبدأ من الصفر. ومع جل احترامي لجميع الذين كتبوا في حوار حر حول هذا الموضوع واتهام البعض للبعض الآخر لكيفية تأسيس حزب إيزيدي. أليست هنالك العشرات من الاحزاب الإسلامية على الساحة السياسية العراقية؟ فمنها الكردية ومنها العربية ومنها المسيحية والتركمانية، فلماذا هذه الحساسية في أن يكون لنا حزب سياسي كغيرنا من البشر؟ وما المانع أن يدخل الإيزيدي في أي حزب سياسي آخر كالحزب الشيوعي مثلاً والاحزاب الكردية وفي نفس الوقت يكون هنالك حزب للإيزيديين حالهم حال جميع هذا البشر. هل يجب أن نكون دوماً تابعين لغيرنا؟ هل لا يوجد بيننا من هو أهل لمثل هكذا عمل سياسي؟ لماذا نكون من أكثر الاكفاء لغيرنا وعندما يأتي الحديث عن خصوصيتنا نرتجف وننهار؟ إن المتتبع للحركة التاريخية لتشكيل جميع الاحزاب على الارض يبدو له حقيقة واضحة ألا وهي أن هذه الاحزاب بدأت العمل بشكل متواضع وبأمكانيات مادية بسيطة جداً. ولكن ما أن أعلنت عن تشكيلها حتى تلقت الدعوات من الشخصيات والدول لتقديم الدعم السياسي والمادي والاعلامي، وفي رأيي المطلوب فقط هو الإرادة والإيمان بالقضية. فلنأخذ مثلاً الحزب الديمقراطي الكردستاني، كم كان عدد اعضاؤه في بداية تشكيله، وما الامكانيات المادية التي كان يمتلكها آنذاك وكذا بقية الاحزاب ومنها الثورة الإسلامية والدعوة وغيرهم وهم الآن في سدة الحكم ولكن بعد نضال طويل وتضحيات غالية. فلا نستكثر على أنفسنا باننا غير قادرين على فعل شيء كبير ولكن ببداية متواضعة وسوف ترون بانفسكم الدعم والمساندة على جميع الاصعدة ومن مختلف الجهات. أما أن نحتار في اختيار الاسم ويكون حزب ديني أو قومي، فإننا لا نبتغي لا هذا ولا ذاك لإننا إيزيديون وأية تسمية أخرى لا يمكنها أن تميزنا عن الغير. المهم أن نفكر بعقلية حضارية وبعيدة عن التشنج والاتهام وأن نعتبر الحوار الهادف اساس لكل تعامل وتعاون حتى لو اختلفنا على جميع النقاط والآراء فيما بيننا. فلكل منا نظرته ورؤيته الخاصة به ويجب أن تحترم، أما أن نستسلم ونلوم الآخرين على إنهم هضموا حقوقنا فهذا يعتبر الموت الحقيقي وقانا الله واياكم منها.ومن اطلاعاتي على البعض البسيط من الآراء وجدت اليأس في بعض الافكار والتشجيع في البعض الآخر وهذا في حقيقة الأمر شيء مشجع ويبشر بالخير لإنه بدأنا نتعلم الحوار ونستطيع أن نخلق نقاط تفاهم رغم الاختلاف في الايديولوجيات لكي تصبح مادة للمناقشة وبالتالي مفهوم كبير لكي نبني عليه ما نصبوا إليه.ولكي نعطي الموضوع قيمة أكبر، هل من الممكن أن نعتمد على الشيوخ والوجهاء والمجلس الروحاني في هذا الوسط الذي تلعب فيه السياسة فقط في الساحة؟ وهل نستمر في إتهام الاحزاب الكردية على انها هضمت حقوقنا؟ أليس من الاجدر أن يكون لنا نحن حزب سياسي وتحت أي مسمى لكي يدافع عن خصوصيتنا حال جميع الفئات من الشعب العراقي؟ ولماذا هذا التشاؤم من امكانياتنا المادية والبشرية؟. هنالك ستة عشر حزب سياسي كردي، منها احزاب دينية وأخرى قومية وكذلك الحال مع الاحزاب العربية القومية والدينية. ولكن عندما نأتي نحن الإيزيديون على ذكر شيء من هذا القبيل تنهال علينا من بيننا عشرات التهم بالخيانة والتطرف والعنصرية، وكأنه من قبيل الكفر أن ينهض من بيننا ما يمكن أن يكون عوناً لهذا الإيزيدي الذي لم يذق ما عاناه مجتمع على مر التاريخ. فارجو لكل عمل خيّر التقدم وأرجو أن تتم دراسة هذه الافكار بجدية ودراية وبعيداً عن التشنج والاتهامات. ومن الله التوفيق.علي سيدو رشو/ رئيس رابطة المثقفين الإيزيديين في العراق

الديانة الايزيدية بين الماضي والحاضر

علي سيدو رشو

في بلاد سومر القديمة نشر اور-نمو ، شرائعه باسم الإله الأعظم "شمش" ذلك أن الحكومات سرعان ما رأت في الالتجاء إلى الدين من فوائد سياسية ، فلما أن أصبحت الآلهة ذوي فائدة من هذه الناحية تضاعف عددهم مراراً إلى أن أصبح لكل مدينة ولكل ولاية ولكل نشاط بشري اله موح مدبر(1) . وبذلك فان الحكومات آنذاك كانت تستخدم الآلهة كوسيلة لتحقيق أغراض سياسية وتقوية سلطة الملوك بواسطة النشاط الاقتصادي الذي يحققه الكهنة بأسم الآلهة. وقد عثر في الخرائب السومرية على لوحة نقشت عليها بعض الصلوات وجاءت فيها هذه النذور الدينية الغريبة " إن الضان فداء للحم الآدميين وبه افتدى الإنسان حياته " ، وأثرى الكهنة من هذه القرابين حتى أصبحوا أكثر الطبقات مالاً وأعظمها قوةً في المدن السومرية (2) . وبتقدم الحضارات وقيام الحروب بين الإمبراطوريات القديمة لتبتلع القوية الضعيفة منها ، كانت المعتقدات الدينية والفكرية تتغير هي الأخرى وكان يزداد الميل لاستبدال حكم آلهة الظواهر المتعددة بسلطان الإله الواحد والاقتراب أكثر من فكرة الإله الملموس إلى فكرة الإله المجرد (3) .
في عام 1380 قبل الميلاد (4) ، مات أمنحوتب الثالث وخلفه أبنه امنحوتب الرابع الذي شاءت الأقدار أن يعرف باسم "إخناتون" ،ولم يكن يتولى الملك حتى ثار على دين آمون ، وعلى الأساليب القديمة التي يتبعها الكهنة ،وكان الملك مثالاً للطهر والأمانة ، وأعلن في شجاعة أن تلك الآلهة وجميع ما في الدين من احتفالات وطقوس كلها وثنية منحطة ، أي أن الإنسان بدأ يقيس الأمور بأساليب جديدة وبوعي وإدراك اشمل واكثر دقة وتحديد ، وأن ليس للعالم الأ اله واحد هو "آتون"، وأن الألوهية أكبر ما تكون في الشمس مصدر الضوء وكل ما على الأرض من حياة . ومهما تكن عقيدته في التوحيد ، فقد استعان ببعض الترانيم القديمة وبعض قصائد في التوحيد نشرت في أيام سلفه نشيداً توحيدياً للشمس على لوح محفوظ في المتحف البريطاني . فهي أول شرح بليغ لقصيدة التوحيد ، وأن في القصيدة مذهب حيوي وأن " أتون" لا يوجد في الوقائع والانتصارات الحربية بل يوجد في جميع صور الحياة والنماء ، وأن هذا الإله الحق خالق حرارة الشمس ومغذيها ، وليس في الكرة المشرقة الآفلة من مجد ملتهب إلا رمز للقدرة الغائبة (5) . وأن ما يهمنا من هذا هو ، أن العبادة كانت للشمس لما تراه الأقوام من الأشعة والنور التي تضيْ وتخصب الأرض ، وهناك إشارة واضحة إلى أن القدرة الغائبة هي التي تهب الشمس المتجدد في الظهور والإشعاع والأفول . فقد تصور هذا الملك، أن قرص الشمس يشع على العالم كله " الإله الواحد لا اله غيره "، وبلغ من تحمسه لدينه الجديد ما جعله يناوئ الآلهة الأخرى ويحاول القضاء على عبادتها وحمل الناس على حصر العبادة بذلك الإله الواحد الذي سماه " أتون " وأراد أن يفرض عبادته على جميع أنحاء الإمبراطورية . ففي هذا التطور الروحي بإسناد مصدر الحرارة والإشعاع والخير والنماء الناتج من قرص الشمس إلى قوة أعظم ، هي التي تهب للشمس تلك القوة إشارة واضحة إلى تقدم فكر الإنسان باتجاه التوحيد، بأن وراء كل قوى الطبيعة اله تخضع لارادته جميع __________________________________________________________
1- ديورانت ، قصة الحضارة .م1 ج2 . الشرق الأدنى ص168 .
2- المصدر نفسه : ص28 .
3- د. خليل جندي ، نحو معرفة حقيقة الديانة الايزيدية ، ألمانيا .
4- ورد في الصفحة 171 من كتاب العرب واليهود في التاريخ ، أحمد سوسة ، أن إخناتون عاش ما بين 1375 - 1358 ق.م. ، أي بعد إبراهيم الخليل (ع) بستمائة عام وعلى هذا الأساس فان عمره دام 17 عاماً فقط . بينما ورد في قصة الحضارة ، إن عمره لم يتجاوز الثلاثين ومات 1362 ق.م. والنفس أميل إلى قول ديورانت.
5- سوسة ، المصدر السابق : ص175 .

تلك الفعاليات التي تظهر وتزول وأن فلسفتها قريبة من فكرة ظهور الديانات المركزية التي اعتمدت النبي والكتاب وارشاد الناس إلى الطريق الصحيح . وقد ظهرت آنذاك آراء متعددة بشأن ظهور اله التوحيد ، ومنهم من يربطه بقيام دولة ميديا 622 ق.م. التي مهدت الطريق للانتقال من ظاهرة تعدد الآلهة إلى اله التوحيد ، ومنهم من يقول بأنه بدأ مع البابليين وتسارع في كل مكان فيما بعد. ويقول الايزيديون بأنهم أول من توصلوا إلى فكرة ( خودي – الله ) وطاووس ملك (1).
لقد سار إنسان وادي الرافدين القديم في تأملاته الفكرية ودراسته لواقع الحياة آلاف السنين ممحصاً لأحداث الحياة ومظاهر الطبيعة ، ومعللاً لما كانت تضفي عليه من خير أو شر، ثم بدأ يقتحم العقبة ويختار التجربة حتى أدرك بأن الواقع الذي من حوله يفسر له كل غموض محير بالنسبة لمداركه العقلية واحساساته وملاحظاته العملية (2) . فبلاد ما بين النهرين لم تكن موفقة كبلاد مصر ، فليس فيها جدران تدون عليها بعلامات تعبر عن الإنجازات ، بل توجد فيها أبراج الآجر ذات الارتفاع البسيط المتهدمة التي يلتصق بها أسم وشهرة برج بابل (3) ، وظلت كتاباتها مطمورة تحت الرمل والطين والأنقاض المتراكمة لآلاف السنين . ولقد تبدلت النظرة إلى تلك الأطلال والرموز غير المفككة وأصبحت مجالاً مهماً لمحاولات فكرية أدت بعلماء أوربا إلى التنافس في سبيل الحصول على الغنائم لمتاحفها النامية ، وأدت تلك المحاولات إلى الكشف عن الحضارة التي أدت إلي وجود مثل تلك الأطلال والكتابات إلى ما قبل أكثر من 4000 سنة . وتعتبر النصوص المدونة على الألواح الطينية ذات أهمية أكثر بكثير من الأطلال المكتشفة . وهي تؤكد بأن الحضارة الإنسانية بدأت من تلك البلاد وانتشرت إلى أنحاء العالم ، حالها حال المدنية التي تنشأ دوماً في كوخ الفلاح ولكنها تزدهر في المدينة . فكانت المعتقدات السومرية ومن بعدها البابلية عاملا مهماً في تغليب إنسان وادي الرافدين القديم على الأرض فمنحته الأمل البعيد ، أمل الخلود في الحياة الثانية ، أمل البعث بعد الموت وكان هذا هو الباعث الحقيقي لقيام الحضارات وازدهارها منذ فجر التأريخ .
يمثل تاريخ الكتابة عن الأيزيدية امتداد منذ خمسة آلاف سنة ، أي منذ دراسة الظواهر الطبيعية التي كانت تسيطر على أداء فعاليات الإنسان ، تاريخ سومر وبابل وآشور وما خللتها من فترات تاريخية لم تبرز إلى الوجود بسبب التقييد أو إهمال مؤرخي التاريخ لبعض أهم التطورات والمجتمعات آنذاك . لقد كان التاريخ حينها يهتم بتدوين فعاليات الملوك ومماتهم ، وما تخص الآلهة وأبرز نشاطاتها ، ولكن كان يترشح عن تلك النشاطات ما يفيد الباحث التاريخي بحيث يستنتج ما يهمه إضافة إلى المكتوب في الرواقم الطينية التي طمرتها أحداث الزمن والطبيعة .ولقد اكتشف مؤخراً أحد خبراء الآثار واللغات القديمة ( السومرية والبابلية والآشورية ) ، بأن كلمة (إيزيدي ) تعني الروح الخيرة أو السائرين على الطريق الصحيح . وحسب هذا الاعتقاد فإن تاريخ الإيزيدية يرجع إلى الألف الثالث قبل الميلاد ، وهم بقايا أقدم ديانة من منطقة الحضارات العظمى في الشرق . ومما يؤكد هذا ، ما ورد في قصة الحضارة ( الشرق الأدنى م1 ، ج2 ، ص300 ) ما نصه : كان الشرق الأدنى في عهد نبوخذنصر يبدو للعين الفاحصة البعيدة كأنه بحر خضم يتلاطم فيه خليط من الآدميين ، يأتلفون ثم يتفرقون ، يستعبدون ثم يستعبدون ، يأكلون ثم يؤكلون ، يقتلون ثم يقتلون ، إلى غير نهاية . وكان من وراء الإمبراطوريات الكبرى ومن حولها مصر وبابل وآشور والفرس يضطرب هذا الخليط من الشعوب نصف البدوية نصف المستقرة ؛ الكمريين ، القليقيين ، الكيدوكيين ،البثرينيين ، الاشكانيين ، الميزيين ، الميونيين ، الكربيين ، البمفيليين ، اليزيديين ، واللوكينيين والفلسطينيين والعموريين والكنعانيين والآدميين والمؤابين ، وعشرات العشرات من الشعوب الأخرى التي كانت كل شعب منها يظن نفسه مركز الكون ومحور التاريخ ، ويعجب من جهل المؤرخين وتحيزهم ، إذ لم يخصوه إلا بفقرة أو فقرتين .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جندي ، مصدر سابق : ص
(2) سهيل قاشا ، عيد رأس السنة البابلية ، التراث الشعبي ، العدد (5) ، مجلد (6) – 1975 .
(3) ليو وبنها يم ، بلاد ما بين النهرين ، ترجمة سعدي فيضي عبد الرزاق ، بغداد : 1986 ، ص .
(4و5) ديورانت ، مصدر سابق ، ص

وكان هؤلاء البدو طوال تاريخ الشرق الأدنى خطراً يهدد الممالك التي كانت أكثر منهم استقراراً والتي كانوا يحيطون بها من كل الجهات تقريباً.
وكان الجدب يدفع بهم بين حين إلى حين إلى هذه الأصقاع الغنية فتنشب بينها وبينهم الحرب او يتطلب منها ذلك الاستعداد الدائم للحرب . وفي بحر الأجناس المتلاطم أخذت بعض الدول الصغرى تتشكل ، ويكون لها نصيب صغير في تراث الجنس البشري ، وإن لم يزد نصيبها هذا على أنه تكون ناقلة أو موصلة . ويهمنا من هذه الشعوب المتيانيون وليس ذلك لانهم أعداء مصر الأقدمون في الشرق الأدنى ، بل لأنهم أول الشعوب الهندوربية التي عرفناها في آسيا ولأنهم أول عبدة الآلهة ( مثرا وأندرا وفرونا ) ، التي انتقلت منهم إلى بلاد فارس والهند ، فأعانتنا بانتقالها على تتبع حركة الجنس الذي كان يطلق عليه من قبل الجنس الآري ) *. انتهى الاقتباس.
إن في هذا النص ، إشارة واضحة ودلالة قوية على قدم الإيزيدية كقوم يحمل نفس التسمية الحالية في منطقة وادي الرافدين قبل ظهور الديانات المركزية ، وإنها ساهمت بخلق تلك الحضارة في سومر وبابل وآشور في مرحلة تعدد الآلهة وما بعدها . ويفترض إنها ساهمت كذلك في خلق وتدوين الأساطير ودراسة الطبيعة وحركة الكون والفلك ومراقبة النجوم وتدوين الأحداث آنذاك ، وهذا واضح جداً في الأدب الديني الإيزيدي الآن من حيث التقويم وحساب الفلك والأعياد والمناسبات الدينية . وبذلك لا يمكن تجاهل دورها رغم المعلومات القليلة التي وردتنا من تلك الفترة الزمنية السحيقة وتجاهل المؤرخين لدورها ، والتركيز على بعض تلك الأقوام دون غيرها ، فإن ذلك أمر وارد بالنسبة لمؤرخي التاريخ ، خاصة إذا ما عرفنا يأن مادة ديانات ما بين النهرين كانت إما آثارية أو نصّية ( أي إنها لم تكن مكتوبة كما في مصر القديمة ) ، وأن المادة الآثارية تتألف من بقايا الأبنية خصوصاً تلك التي خدمت الأغراض الدينية كالمزارات والمعابد وأبراجها بالإضافة إلى مادة العبادة وهي التماثيل والطلاسم . وقد يبدو أن مادة التشبيه بطريقة التماثيل والتصاوير كالمنحوتات والأختام والألواح الطينية فإنها من المحتمل أن تلقي الضوء على ديانة بلاد ما بين النهرين وعندئذ من الممكن التفكير بالتشبيهات القصصية المقصود منها تصوير قصة الإله ، بل إنه لا يبدو لمثل هذه التشبيهات أن حصل لها أي دور مهم في ديانة بلاد ما بين النهرين ، ولهذا سيبقى عالم الأسطورة عبارة عن مستودع لمستوى الأدب الخلاّق خلال كل تاريخ بلاد ما بين النهرين (1).
ويشبه الزميل الدكتور خليل جندي في كتابه الموسوم " نحو معرفة حقيقة الديانة الايزيدية " ، بأن الايزيدية تشبه بحد ذاتها تله أثرية طمرتها رمال آلاف السنين ولم يجر التنقيب عن كوامنها إلا قليلاً ، ومن يبتغي معرفة حقيقة معتقدات الايزيدية ، عليه التوقف عند معرفة ظاهرتين أساسيتين مترابطتين من ظواهر الدين : أولهما الايزيدية وطاووس ملك ، وثاني تلك الظواهر هي معرفة أصل ومنبع الأعياد والطقوس الدينية المرتبطة بالتغيرات المناخية .
وبما أن الظاهرة الأولى تشكل المرتكز الأساسي لعماد الدين الإيزيدي وكذلك نقطة خلافه مع الأديان الأخرى ، عليه كنت قد ارتأيت منذ فترة طويلة في البحث في ذات الموضوع ، ولكن ظروف معينة حالت دون المباشرة به لحد الآن ، من خلال إجراء بعض المقارنات بين النصوص الدينية أو بين ما جاءت بها الأديان بخصوص هذه الظاهرة بالذات . فعسى أن نوفق في ذلك ، آملين من السادة الباحثين وذوي الخبرة والاختصاص الرد على ما ترد فيه من أفكار أو توجيه نقد أو بيان الحقائق التي لم نتوصل إليها خدمةً للمسيرة الإنسانية ، بعيداً عن الحساسية مهما كانت لتقر الحقيقة التي أنت مقتنع بها .وقد التقيت بباحث عراقي يعمل في حقل الآثار في فرنسا منذ عام 1979 ، وقال بالنص : لقد شاهدت الأصالة ( Originality ) في الفرد الإيزيدي خلافاً لبقية المجتمع العراقي . .
ـــــــــــــــــــــ
(*) على رأي أمبسن " لأجل أن نصل إلى نتيجة قطعية في أصل المذهب الإيزيدي ، نحتاج دراسة وثيقة في أحوال الشعوب خاصة في آسيا الصغرى أكثر من إتباع لغتها ودينها .

إن التراث الديني الإيزيدي كباقي المعتقدات ، مليء بعبارات التوحيد والزهد والنسك ، وفيه معالجة وافية لمجمل النشاطات الإنسانية ، ولما للنفس من أهواء وشرور وعلاقة ذلك بسلوك الفرد وانعكاساتها على تصرف القلب والعقل ، وكيف أن لكل منهم حجة الدفاع عن نفسه ، ثم الترابط بين عالمي المادة والروح . ففقهاء الأديان عامة لم يصلوا إلى تلك الدرجات الروحية إلا بعد أن لجموا حواسهم ، وطهروا أنفسهم من الأدران والشوائب المتعلقة بالنفس ، وانزووا في أعماق الكهوف ، وأسدلوا الأبواب على أنفسهم كي يتصلوا روحياً بالخالق . وبعد رياضات مجهدة ، تفتقت أذهانهم وأفكارهم عما وهبهم الله من بصيرة كي يشرحوا واقع حال المجتمعات وما يخص الدين والدنيا ، وهي فلسفة الديانة الإيزيدية التي ابتنت أركانها على التصوف والمجاهدة ورياضة النفس بما عليها أن تتحمل من مشاق النفس لتنال رضا ربها الرحيم .
في كل مذهب من المذاهب هناك جزءاً من الحقيقة مهما كان من خطئه ، بل في كل عقيدة من العقائد مهما بلغ من تهافتها وأمر الخرافات التي قد تلتقي بها مع بعض أصحاب المعتقدات الدينية ، فإن من المؤكد أن عقائدهم كانت تحتوي في الأصل – إن لم نقل لا زالت تحتوي حتى الآن – على قسط من الصواب – قل أو كثر – وحسبنا أن ننظر إلى سائر الديانات التي طالما تمسك بها البشر وفي كل زمان ومكان لكي نتحقق من أنها جميعاً تشترك في خاصية واحدة ( على الأقل ) ، ألا وهي الإيمان بحقيقة عليا تتجاوز نطاق العقل ، وتغدو دائرة الفهم .
ففي العاطفة الدينية إحساس غامض بوجود قدرة فائقة للطبيعة لا يمكن للعقل البشري أن يفضي أسرارها ، عليه فإن "الدين " ليس شيئاً مصطنعاً أخترعه العقل البشري بوحي من نزوات خياله ، أو تحت تأثير مخاوفه وآماله ، وإنما هو وليد تأثير الطبيعة والأشياء على الإنسان ، بمعنى إنه رد فعل تلقائي للفكر والقلب البشريين استجابة لتأثير العالم الخارجي على الوجود الإنساني (1) . وبذلك يقول محمد عبدة في فلسفة تاريخ الأديان : كان من الحكمة أن يجيء دين يخاطب الحواس ( اليهودية ) ، ثم تدرجت الإنسانية ودق حسها ، ولطف شعورها ، فجاء دين يناسب هذا الحال فيخاطب القلب والشعور ( المسيحية ) . ثم بلغ الشعور الديني إكمال نضجه فظهر دين يخاطب العقل ويشركه مع العواطف والإحساس ( يقصد الإسلام ) . ولكن هذه الأديان الثلاثة متفقة في جوهرها ما دامت تنشد عبادة الله ولا تشرك به ، ولأنها نزلت لهداية الناس في صدق وإخلاص ، لأن الدين حاسة عامة لكشف ما يشتبه على العقل من وسائل السعادات ، ثم هو موازين العقل البشري التي وضعها الله لتحد من شططه وتقلل من خلطه وخبطه (2) .
ويبدوا أن معظم الفقهاء والفلاسفة الذين كتبوا عن الديانات وحللوا مفاهيمها وفسروا حيثياتها ، أشاروا إلى أن تلك الديانات ظهرت إلى الوجود بمجرد توفر المقومات المادية لها ألا وهما : النبي والكتاب . لكن الواقع الذي يشير إلى هذا المفهوم ليس بهذه البساطة ، بل أن الظرف الذي ظهرت فيه الديانة اليهودية مثلاً كان ، وكأنه رد فعل للأعمال الفرعونية التي أثقلت كاهل الإنسان ، بتحميله فوق طاقته ، ووصل الحال بالمجتمع إلى قمة الطغيان والفساد والاستغلال ، بحيث شعّرته آنذاك بحقوقه وأصبح يبتهل إلى القيم العليا لرفع الظلم المادي عنه . أي إنه أصبح مؤهلاً لأن يتقبل فكرة جديدة ، وللباري في ذلك حكمة عظيمة - ومن الفلسفة أن نشيد بدور فرعون في تقبل الإنسان لفكرة تطبيق الديانات فيما بعد – بأن يجعل من الإنسان يشعر بحقه من قسوة الظلم الذي يسلط عليه ، وهو أيضاً بإرادة منه جلّت قدرته . ومع ذلك ، وكون إنسان تلك الأيام قد تعوّد على تحمل الظلم ، كان يحصل إخفاق في إيصال تلك الرسالة إليه ، ويرغب في تحمل الظلم القديم ليس حباً به ، وإنما خوفاً من فشل تلك الرسالة والعودة به إلى قسوة الظلم السابق والبطش به من جديد ، وهكذا دواليك .
ــــــــــــــــــــــــ
(1) تراث الإنسانية ، مجلد 3 ، الدار المصرية للنشر والترجمة والتأليف : ص19 .
(2) تراث الإنسانية ، مجلد 2 ، الدار المصرية للنشر والترجمة والأليف : ص761 .

لقد رافق حال المجتمع متغيرات على واقعه ، بين ما عليه أن يتخلى عن معتقداته التي ترسخت في ذهنه وأصبحت مع الزمن جزءاً من سلوكه ومعتقده الديني ، وبين أن يتقبل الجديد الغير واضحة المعالم ، فبرزت في فكر الإنسان ما يجب قبوله بالتعليمات الربانية رداً على التصرفات المادية مثل ظلم فرعون لموسى وقومه والتي استطاع فيها التغلب على ما جرى له من امتحان ، وقبله ما جرى لإبراهيم الخليل (ع) مع نمرود ونجاته من المنجنيق الذي أنشأه نمرود له بنفسه ، وبمشاركة قومه الذين رأوا نجاة إبراهيم من المنجنيق ليكون شاهداً على عظمة الخالق أمام قومه وزرع الشك فيهم على أن هناك قوة أكبر من نمرود هي التي ساعدت على نجاة إبراهيم (ع) من نار نمرود . بعد هذه الوقائع المادية ، بدأ الشك يهاجم فكر الإنسان وبدأت معها تغيرات فلسفية في وجدانه ، بحيث اهتز لما حدث وحسب لما يدور حوله ألف حساب ، وكأن لسان حال المجتمع يدفع به إلى قبول الإرشادات والتعليمات التي يأتي بها المصلحين . وما أريد الوصول إليه هو ، أن واقع المجتمعات والتجارب المادية التي تمت الإشارة إليها ساعدت كثيراً على قبول الأفكار والإرشادات الموحى إلى الأنبياء والمصلحين ، ولكن بعد ترسيخ تلك القناعات المادية في أفكارهم ، وأن البذرة الأولى لقبول الديانات الجديدة كانت قد نمت في رحم الديانات القديمة التي ظهرت في كل من بلاد مصر وبلاد ما بين النهرين ، بدليل أن الديانات المركزية الثلاث ظهرت في هذه المنطقة .
السؤال ، لماذا لم تدخل الإيزيدية واحدة من هذه الديانات ، رغم الحملات والاضطهادات والفتوات التي صدرت من رجال الدين ونفذها قادة عسكريون راح ضحيتها مئات الآلاف من الشباب والشيوخ وسبي النساء والتمثيل والتنكيل ؟ . والجواب بكل بساطة ، إنها توحد الله قبل ظهور تلك الديانات ، وتعتبر نفسها ليست بحاجة إلى من يرشدها إلى عبادة الله على طريقتها الجديدة لأن رسوخ حقيقة التوحيد في الديانة الإيزيدية لا يرقى إليها أية عقيدة ، وذلك واضح من الأدعية والابتهالات والنصوص الدينية المتعددة سوف نأتي إلى ذكرها لاحقاً إن شاء الله .

* رئيس رابطة المثقفين الأيزيديين في العراق.
Rasho_as@hotmail.com

رأي مختصر حول المؤتمر المزمع عقده

علي سيدو رشو
لابد في البداية من كلمة شكر لكل جهد مهما كان لأنه سيثير مناقشة وإبداء الرأي، وهذا بعينه يعتبر مكسباً ولكن لمن يعرف كيف يوجهه ويحدد اتجاهه. نقول، إذا كانت هنالك مشاركة من مختلف فئات المجتمع الإيزيدي، فلا بد من مشاركة منظمات المجتمع المدني في ظل التحول الديمقراطي، في حال أن هنالك ديمقراطية في هكذا عمل. وإذا كانت المشاركة فقط من مراكز لالش، فهذا يعني الكثير لأن هذه المراكز ما هي إلاّ واجهات حزبية ضيقة للحزب الديمقراطي الكردستاني. أي بمعنى أن هذا الأمر لا يعني المجتمع المدني، وإذا كانت الدعوة تشمل فقط بعض المنظمات التي تم تشكيلها في وقت كانت مستقلة في بدايتها، ولكنها الآن هي الأخرى تعمل لخدمة هذا الحزب أو ذاك، فهذا شأن لا يختلف فيه الأمر عن سابقاته. في نظرنا، فإن هذا المؤتمر المزمع عقده لا يمس الإيزيدية بشيء من حيث الهدف الحقيقي، وإنما مؤتمر سياسي وهو مسخر لتطبيق المادة 140 وتعبئة الجمهور الإيزيدي لهذا الغرض، فلا بأس من ذلك. لذلك نرى انه لا يتجاوز حدود تلك المجموعة التي تدور في هذا الفراغ منذ زمن طويل رغم التنبيه وإطلاق الصيحات، وكأن المجتمع الإيزيدي قد خلي من البشر إلاّ هذا النفر الذي دق إسفينا بين المجتمع الإيزيدي والشعب الكردي. وقد يفهم البعض بأنني اقصد نفسي بهذا الكلام ولماذا لم توجه لي الدعوة في هذا الشأن؟ وأعتقد بأن ألقاصي والداني، وأولهم أنا، يعلم بأنه من المستحيل أن تحصل مثل هكذا دعوة، ولكن علينا أن نقول ما يجب قوله وهو فقط للتذكير وللتاريخ أيضاً. من الجانب الآخر أرى تخبطاً واضحاً بين ثلاثة تيارات وهي على قدر المحاور الثلاثة التي حددتها اللجنة التحضيرية.المحور الأول: محور النفاق السياسي الذي يريد القفز فوق كل اعتبار ويفوز برضا أسياده مهما كان الثمن، وهذا ليس بغريب على هكذا (مناضلين) عاشوا على نضال الشرفاء واستفادوا من دمائهم، وهم بذلك يريدون اعتبار الإيزيدية كجسر للعبور فوق الحقائق والانتفاع من الموقف سياسياً ومادياً.المحور الثاني : وهو المحور الذي يريد تحقيق طبقة سابعة في المجتمع الإيزيدي والذي يقول فيه قولاً يسلط الضوء من خلاله على موضوع تحقيقه غاية في الصعوبة وهو يطرح رأياً في الإصلاح والتطور ولكن يريد به باطلاً. والباطل الذي يريده هو معاناته من نفس المشكلة التي تم إثارتها، حيث إنه يريد تطبيق الديمقراطية الألمانية في بلد يعج بالإسلاميين المتطرفين والذين يرفضون حتى أسم الديمقراطية المعقولة. مهلاً يا أخوان فإن المجتمع الإيزيدي يعيش في الشيخان وسنجار (يمكن نسيتم مأساة وتداعيات قتل كمال كتي في سنجار أو الهجوم الإرهابي على الشيخان، والشيخان ليست ببعيدة عن رئاسة برلمان أقليم كردستان)، حيث لم تندمل جراحات الشيخان بعد وما حصلت من كوارث قبل أشهر من الآن لا تقدر بثمن. فأين يمكن تطبيق هذه الديمقراطية التي تدعونها، أهي في وسط لا يقبل به من الأساس؟ هل ترون ما يعانيه المجتمع الإيزيدي من انهيار في ظل الوضع الجديد الذي تم إبعاده من كل أمل كان يحلم به؟ هل أن طرح هذا الموضوع يعني حل للمشكلة أم تعقيدها؟ ماذا حققتم لمجتمعكم لكي تبدأون بتهديم البناء الأساس؟ أليس طرح مثل هذه الأفكار تتشابه مع فتوى شيخ الأزهر في رضاعة المرأة لزميلها في العمل؟المحور الثالث: وهو المحور المعتدل والذي أشير فيه إلى كل كلمة جاءت في مقال السيد وسام جوهر وبعض الأخوة الآخرين الذين رسموا بكل شفافية ومن المنظور الصحيح، معاناة المجتمع الإيزيدي وقوله الصحيح بان المؤتمر ليس إلا مؤتمراً حزبياً يراد منه تطبيق المادة 140 والباقي كله حشو في حشو ومضيعة للوقت. وحتى الأكراد لم يوافقوا على عقد المؤتمر في كردستان ما لم يساهم في ضياع وذوبان الإيزيدية في الدين الحق. وأن الكلام الذي يراد منه هذه المواقف هي بعينها التي طالب بها السيد أنس الدوسكي في كتابه المشئوم وليس أقل منها خطورة، حيث كان قد أشار فيه إلى مثل هذا العمل.ولكن لنعد إلى ما طرحه الدكتور خليل جندي في موضوعه؛ أي مؤتمر...، إن السيد الفاضل ترك العراق منذ ثمانينات القرن الماضي، وكذلك السيد بدل فقير حجي فيما بعد. وبديهي أن يحمل معه تناقضاته الشخصية والمجتمعية كإنسان مهتم بهذا الأمر وعايش الواقع الذي تركه بكل أسقامه. وعندما أستقر به الأمر في الشرق في بداية الأمر، ومن ثم في الغرب فيما بعد كأي شاب شرقي عايش مجتمع متخلف بقياسات التقدم والتخلف حسب التصنيف، وحاول أن يغربل هذه التناقضات ويخرج على الآخرين بحصيلة. وهو كإنسان مثقف يشعر بأنه معني بتغير واقع مجتمعه نحو الأفضل وهذا من حقه الطبيعي، كما من حق السيد بدل فقير حجي الذي أثار الموضوع من أوله ومن ثم فعّله الدكتور خليل من خلال مقالته المعنية. ولقد بذل الدكتور الفاضل والسيد خدر سليمان جهداً متميزاً في بداية الثمانينات وما بعدها من تأليف وجمع وتحقيق ومقابلات للتعريف بهذه الديانة العريقة. وأن أجمل ما كتبه الدكتور خليل عندما قال بأن الإيزيدية عبارة عن تلة أثرية وبقدر ما يحصل لها من تنقيب، بقدر ما تحصل منها على عبق الماضي السحيق لما لها من جذور تمتد إلى العمق الإنساني. فلا أدري ماذا حصل لكي يحدث هذا التغيير في تفكير هذه المجموعة التي كنا نعلق عليها عظيم آمالنا، خاصة بعدما عاشوا في الغرب وعرفوا كيف يمكنهم أن يطلقوا لمؤهلاتهم العنان لخدمة بني جلدتهم. ولكنني أقول، هل كان كتابة هذا المقال في وقته المناسب؟ وأرجع وأقول للسادة المحترمين وبكل سرعة لأجيب على نفسي بأنه لم يكن اختيار الوقت موفقاً. ففي رأيي المتواضع، لم يأتِ أحداً منهم بجديد (كنا نسمع بهذا الحديث في السبعينات من القرن الماضي أثناء أحاديث تدور فيما بيننا وكانت تثار تلك الأفكار من قبل مجموعة من الطلبة الجامعيين من أهل الشيخان)، حيث إنهم قاسوا الفترة الزمنية التي عاشتها أوربا منذ سيطرة الكنيسة على الواقع الإنساني بكل نشاطاته، وما آل إليه حال المجتمع بعد أن عرفت تلك المجتمعات خطورة التداخل فيما بين الدين والسياسة. ولكن يخطأ من يقارن هذا المجتمع الصغير الذي لم ينفك أن يخرج من محنة لكي يدخل في الأخرى، وهذا الدين العريق الذي جرّبت عليه كل إمكانيات الأعداء البشرية والمادية لمحوه من الوجود على الرغم من انه غير تبشيري، ليأتوا به ويدخلوه في هذه المتاهة وخلق طبقات ليس لها أهمية حقيقية على أرض الواقع. ولكن لنسأل، كيف يمكن لأهل النظرية أن يضمنوا بأن الناس الذين سيشملهم هذا الأمر سوف يبقون في حدود دائرة هذه الطبقة؟ مثلاً، هل أن الذين يدخلون الديانة الإيزيدية من خارجها سيقبلون بالبقاء في تلك الطبقة؟ وهل الذين يخالفون الشريعة الإيزيدية سيقبلون بالبقاء في تلك الحدود المرسومة؟ وهل يعتبر هذا من وجهة نظر حقوق الإنسان شيء مقبول؟ أليس له الحق في اختيار الطبقة التي يريدها ما دام له حرية الرأي والمعتقد؟إننا لسنا ضد التوجه الذي يطرحه السادة الكرام كأفكار هم يؤمنون بها وآراءهم محترمة، ولكن لنقل أترك كبائر الأمور للزمن ومن ثم راقبها بحيث تبقى تحت المجهر وفي حدود السرعة والتعجيل المناسبين، وهذا من صميم عملكم كمثقفين ولكن متى ما رأيتم بأن الوقت مناسباً، لا باس من مساعدة العجلة لكي تدور. ولأجل أن أوضح رأيي هذا أقول؛ كنت في كندا في صيف عام 2005 ، وسمعت بأن البرلمان الكندي قد وافق على تشريع يخول فيه المحاكم بتنظيم العلاقة الزوجية بالمثل، أي الزواج المثلي. وبعدما استفسرنا عن هذا الإجراء من مختلف الشرائح الاجتماعية، قيل لنا بأن دولاً في الغرب سبقتهم إليه وهو قانون عصري ومتماشي مع روح العصر وتطوره. هذا من وجهة نظر المجتمع وقد فرضه على الواقع بعدما طبقها المجتمع رغماً عن أنف الشرع والقانون. أما رد فعل الكنيسة، فقد جاء بمنع رئيس الوزراء الكندي للصلاة في الكنيسة التي كان معتاداً أن يصلي فيها احتجاجاً على التوقيع على ذلك التشريع. ولكن لنعد ونقول، متى طبق هذا الأمر في كندا؟ لقد تم تطبيقه في أوائل عام 2005 بعدما سبقته دول في الغرب المتطور في التطبيق مثل ألمانيا والسويد على حد علمي وأن الأرضية الثقافية لذلك المجتمع كانت قد قبلت بها. لذلك، فإن الوضع الثقافي والنضج الاجتماعي في المجتمع الإيزيدي لم يبلغا درجة القبول بمثل هكذا آراء وتطبيقات (رغم اعتراضي الشديد عليها)، وليس الإيزيديون فقط وإنما أي مجتمع يعيش في الشرق الأوسط. فهل نحن الإيزيديون معنيين بتطبيق مثل هكذا تغيير لنكون البوابة التي منها يمكن أن يتغير الوضع في الشرق الأوسط نحو الديمقراطية في تغيير سلوك المجتمع الذي أعتاد عليها منذ مئات السنين؟ لذلك نقول للسادة الكرام، بأن الزمن كفيل بتغيير الواقع، ولا بأس من طرح الأفكار ولكن علينا التحسب واحترام الدماء التي سالت لأجل الحفاظ على الهوية النقية لهذا المجتمع النظيف، ونختلف بشدة مع رأي الدكتور خليل عندما يقول أين نظرية النقاوة في المجتمع الإيزيدي. ونقول حذار من اللعب بالنار في وسط لا يقبل بهذا الأمر على نفسه ولكنه يقبلها على الغير (أقصد المجتمع المحيط بنا)، ليس لأنه مؤمن به ولكن لأجل أن يفجر مثل هذه القنبلة في وسط المجتمع الإيزيدي الذي يعمل جاهداً لذلك الفعل، وأن المجتمع الإيزيدي نظيف وسيبقى كذلك. وإذا كانت المجموعة من العوائل والشباب التي هاجرت إلى أوربا ترى في هذا الشأن ضرورة ملحة وكأن عجلة تطور البشرية تنتظر هذا الإجراء من الإيزيديين، فنقول بأنه من الصعب تطبيقه على مجتمع يعيش في وسط عالم لا يقبل بمثل هذا التطور المفاجيء ولا يمكن القياس على هذا الأمر من قبل مئات العوائل التي هاجرت إلى أوربا. ولو أخذنا الموضوع على محمل الجد، وهو ما يجب علينا فعله، بتفاعلاته الإيجابية وتداعياته السلبية، ولكن بتأنِ. فالجانب الإيجابي فيه هو تحفيز من كان يراهن على الزمن بأنه المعني بتغيير الواقع، فعليه أن يفيق من غفوته، وهنا أقصد سمو الأمير تحسين بك وهو على رأس المجلس، وعليه أن ينظر إلى الواقع من حوله بعين المجتمع الإيزيدي القابل للتطور قياساً بمحيطه الإسلامي، فقد يحصل تطور سلبي وهذا وارد جداً. إضافةً إلى دور العولمة والانفتاح على العالم من خلال الانترنت والفضائيات وتزايد حجم الضغط السياسي للمطالبة بالحقوق والضمانات الدستورية في ظل غياب الحقوق المدنية والسياسية للأقليات وزيادة حجم الانتهاكات لتلك الأقليات الدينية والعرقية. أما على الجانب السلبي، فإن الالتزام بالقواعد الدينية والتشريعات المنبثقة عنها والسلوكيات التي ارتبطت بها منذ أكثر من 800 عام. فليس من السهل التلاعب بها من دون معارضة قوية خاصة إذا ما رافق ذلك من شم رائحة الجانب السياسي من العملية، ما لم يكن هنالك من بديل مقبول ومتفق عليه.فالمشكلة إذن ليست في التشريعات ولا في الدين، وإنما في سلوكيات بعض الرموز، وهذا لا يبرر مثل هذه الدعوات إلاّ بدافع القصد الهدام. وكذلك لا يمكن لهذا المؤتمر أن يحل ولو 1% من الموضوع، بل من الممكن أن يكون هذا المؤتمر على حسب دعوة الدكتور خليل (ويجب أن لا ننسَ دور السيد بدل فقير حجي الذي أثار الموضوع)، عائقاً كبيراً أمام الهدف المعلن، اللهم إذا كان له أهداف غير معلنة. ولكن المشكلة تكمن في التربية العائلية والدينية للمجتمع، وهنا سوف يلام الدكتور لكونه من الطبقة المعنية بتغيير المجتمع نحو الأفضل وعلى أسس سليمة بطريقة استقرائية تأخذ من الواقع أرضية للموضوع وبدلاً من هذا الانهيار الذي سيسببه هذا المؤتمر كان من الممكن أن تكون الدعوة مطالبة الجهات الداعمة للمؤتمر من بناء دور في القرى والمجمعات وتعيين مشرفين من ذوي الخبرة والكفاءة والثقافة لتقوم بدورها الإرشادي على أسس متطورة بما يناسب التقدم الذي يحصل في العالم من تطور تقني وتفاعل حضاري. أما أن نقول بأننا متخلفين عن العالم ونبقى في نفس حدودنا من الحركة ولكن فقط في جانب الهدم من البنيان القديم، فأرى بأن للموضوع تداعياته السلبية أكثر من الفوائد المرجوة منه إيجابياً. فمثلاَ، هل غيّر المسيحيين من قانون الزواج بأكثر من زوجة على الرغم من الدعوات والحاجة الملحة اجتماعيا إلى مثل هذا التغيير؟ فلو أخذنا المثال الذي ورد في مقال الدكتور من جانب إيزيديي سوريا. لقد زرت سوريا في آذار الماضي للوقوف على ذات الموضوع بدافع الإطلاع، والتقيت بعوائل متعددة ومحترمة في قرى محافظة الحسكة وهم على درجة عالية من العلم والثقافة وفي نفس الوقت التمسك بالقواعد والسلوكيات الدينية، فلا اعتراض بينهما. ولكن الذي حصل في عفرين بالذات من أعمال حلب، وحسب فهمنا للواقع ومن أفواه الذين التقيناهم في حلب. إن الاختلاط بالزواج من خارج طبقته الدينية وارد فعلاً ويزورهم الأمير وغيره، وهنا لا بأس من الزيارة للإطلاع على حقيقة الأمر والتوعية والإرشاد، وليس بهدف جمع المال. والأكثر من ذلك فإن هنالك أكثر من 40 قرية إيزيدية اعتنقت الإسلام (وأصبحوا أكراداً وهم يطالبون الإيزيدية الباقين على دينهم بالدعوة إلى الإسلام)، في فترة لم تتجاوز ال (80 سنة) من الآن، وبحكم الشرع الإسلامي فإن أي إيزيدي سواء كان رجلا أم امرأة دخل في الإسلام، فإنه يصبح مسلماً وبأثر رجعي ولا يمكنه الدخول في الإيزيدية ثانيةً لأنه يصبح مرتداً في هذه الحالة وحكمه معروف وهو القتل. وهكذا الحال مع بقية الأمثلة ( أي أنهم تحولوا إلى أكراد في نفس منطقتهم ويتحدثون بنفس لغتهم)، ولكنهم يطالبون بقية الإيزيدية الباقين على دينهم لحد الآن باعتناق دين الحق لأنهم يتكلمون اللغة الكردية ولا فرق بين كردي وآخر ما دامت اللغة واحدة. فهل حقق هذا التغيير في مثل هذه الثقافة الهدف المرجو أم أنهم تركوا دينهم وأصبحوا مسلمين وهم الآن يطالبون الآخرين في الانضمام إليهم؟ أي، هل كانت النتيجة لصالح المجتمع الإيزيدي عندما حصل هذا النوع من التخالط؟ وإذا كانت النتيجة هي هكذا، فلماذا أقتدي بمن هو على الخطأ؟ أليس حرياً بنا أن نقتدي بالأفضل؟ فلو تتبعنا ما جرت من أحداث خلال الفترة الأخيرة وبالذات منذ 15/شباط/2007 ولغاية الدعوة إلى عقد هذا المؤتمر نرى بأنه، لا يمكن فصل تلك الأحداث عن مخطط على درجة عالية من التخطيط بحيث يحقق ما مرجو منه وعلى حسب مراحل مرسومة بدقة مستغلين الوضع السياسي في البلد. لقد كتبنا رأينا بما حصل في الشيخان في حينه وكيف أن القيادة الكردية لم تتخذ الموقف بما يتناسب وحجم المشكلة من محاسبة المقصرين فيها. ولا يمكن القبول بأن الذي جرى في حادث قتل دعاء في بعشيقة بعيد عن السيطرة بحيث يحدث في 7 / نيسان (ميلاد حزب البعث)، أو حرق المقرات الحزبية في سنجار يوم 28 / نيسان (ميلاد صدام حسين)، بعد طرد العمال من كردستان، أو قتل العمال الإيزيديين قبل يوم واحد من اللقاء الموعود في الموصل مع هيئة علماء المسلمين لدحض الأمر وقول الحقيقة وبيانها على الملأ من خلال أئمة الجوامع. كما ولا يمكنني تصور هذه الدعوة لعقد هذا المؤتمر من أن يكون من غير توجيه سياسي بهدف تدمير كل ما هو أصيل في هذا الدين تحت مسميات الإصلاح والتطور. فالنظام الطبقي إذن أثبت جدارته في الإبقاء على أصالة الشعب الإيزيدي منذ أكثر من 800 عام، ولكن لكل رأيه في اعتناق ما يحلو له وهذا متروك لمن يراه سليماً بحقه، والذي يرغب في اعتناق الإسلام أو أي دين آخر فله كل الحرية ونبارك له هذا الإنجاز. ولكن ليس له الحق في المطالبة بتغيير الدين تحت حجج التطور والإصلاح. أما بيان الرأي في عمل تشكيل جديد يتماشى مع العصر من حيث تعيين ناس أكفاء في المواقع القيادية والدينية الرفيعة التي لها الاحتكاك المباشر مع الجهات العالمية، فإنه لكل منا الحق في طرحها ومن ثم بلورتها بحيث يكون لنا من ممثلين أكفاء في المحافل الرسمية وكنا من أشد المطالبين بها مباشرة مع سمو الأمير وكانت تصل فيما بيننا أحياناً حد السيف في التعامل، ولم ندخر جهداً لقول الحق في وجه كائن من يكون لصالح التغيير الايجابي وأعني به اختيار الأكفاء في المناسب القيادية. وأرى بأنه بدلاً من هذا المؤتمر، لو كان الطلب من الدولة العراقية أو القيادة الكردية بأن يتم استثمار جزء من حصة الإيزيدية من ميزانية الأوقاف لعقد جلسات وندوات بهدف النقاش ووضع المقترحات والحلول للمشاكل الهائلة التي يعاني منها الإيزيديين وبمشاركة من تلك الجهات في النواحي الخاصة بالأحوال الشخصية وتطوير وتحديث العلاقات التي تحكم القواعد والأعراف، وحقوق المراة وتطوير مفهوم حقوق الإنسان، والضمانات الدستورية وقانون الأحوال الشخصية ومعالجة وضع المجتمع من البطالة وتحديث التعليم وبناء المعاهد والجامعات (ففي مجمع الجزيرة هنالك أكثر من 400 طالب قد أنهموا الدراسة الابتدائية منذ ثلاث أو أربع سنوات، ولكن ليس فيه ثانوية)، وتطوير النواحي الصحية التي بدت من المشاكل الكبيرة التي يعاني منها المجتمع. لكان أفضل عشرات المرات من هذه الدعوة التي ستسب انشقاقاً في المجتمع على طوله وعرضه من دون تحقيق نتيجة واقعية. وبالتأكيد هناك الالآف من المشجعين للفكرة لكونهم يعانون من نفس المشكلة ولكن ليس من حقهم فرض رأيهم على قواعد وسلوك الديانة الإيزيدية بأي شكل من الأشكال ومن ثم إجراء استفتاء بهذا الشأن من قبل مجموعات لم تأخذ الشرعية من جهة مصدرية. وباختصار، فإننا نرى بان هذه الدعوة هي ليست في محلها وقد تقود إلى الانشقاق أكثر منه إلى التوحد وهي دعوة صريحة لطعن الدين تحت مسميات سياسية وبتوجيه وتمويل مخططين، وهو بداية لمشروع أنس محمد الدوسكي، الذي رسم هذا السيناريو في كتابه " أتباع الشيخ عدي...........".وفي الأخير نقول لمناصري هذه الآراء، كنا نعلق إضافة موضوع جديد قبل هذا الوقت عظيم الآمال ولكن بكل أسف نقول بأنكم خيبتم فينا تلك الآمال بهذه الدعوة التي جئتم بها في غير محلها. إنكم لستم في الموقع الذي يؤهلكم لهذا الأمر لأنكم لستم مرجعية دينية أو ممثلين عن المجتمع الإيزيدي. وليس من حقكم المساس بدماء الأبطال الذين صدوا بصدورهم غدر أمراء الشر وبفتاوى معروفة. كما ونقول بأن المجتمع الإيزيدي بحاجة إلى تثقيف إيجابي وليس هدم في بنيانه وأن هذا المشروع قد يكون ثمنه أغلى مما تتصورون. أملنا كبير في أن تعوا مخاطر هذا الأمر وأن تركزوا على معاناة شعبكم حيث أنكم من المفروض أن تقفوا على أبواب المنظمات الإنسانية في أوربا لترسلوا بعض الدواء أو معالجة بعض ذوي العاهات المستعصية لبني جلدتكم بدلاً من مناشدة هذه الدعوة لهدم البنيان والكيان الإيزيدي. فهنالك المئات من المصابين بالفتحة الرباعية في القلب وليس من مجيب لمرضهم وهم بحاجة إلى تداخل جراحي خارج القطر في الوقت الذي لا يملكون ثمن تنظيم جواز السفر وحده. كم من امرأة ماتت خلال هذه السنة بحالة الولادة بسبب عدم وجود خدمات طبية في الوقت الذي تنعم سنجار بالاستقرار حاله حال دهوك واربيل والسليمانية. كلمة نقولها، انظروا ما حل بأهل عفرين خلال أقل من قرن من الزمان بسبب الانحلال الطبقي، مع شديد احترامي لهم ولاختياراتهم في الحياة. وأقل ما أود قوله في هذا الرأي، هو أن دعاة هذه الفكرة يريدون إنهاء الإيزيدية كديانة والإبقاء على الجانب القومي الكردي فقط، وهو في نظرهم كاف للإبقاء على الدين الإيزيدي مع علمهم بعكس ذلك. لذلك نقول بكل وضوح وشفافية بأننا سوف نعمل على التثقيف بعكس ما جاء في هذه الدعوة. وكذلك، و ليكون معلوماً بأنه ليس المجتمع الإيزيدي في سنجار وحده يرفض هذا السلوك، وإنما المجتمع بطوله وعرضه يرفض وبكل قوة مثل هذه الأفكار عدا بعض الذين يعانون من نفس المعاناة. ومن الله التوفيق.
علي سيدو رشو/ رئيس رابطة المثقفين الإيزيديين ناشط في مجال حقوق الإنسان