10 أغسطس، 2008

هيروشيما سنجار

هيروشيما سنجار

هيروشيما، هذه البلدة اليابانية التي دخلت التاريخ من اوسع ابوابه بفعل الضربة النووية الامريكية في التاسع من آب عام 1945، لتنهي بها الحرب العالمية الثانية واعلان انتصار الحلفاء في تلك الحرب المدمرة التي طحنت وحرقت على مدى ست سنوات الأخضر واليابس، وحصدت الملايين من الارواح البريئة بين قتيل وجريح وشردت الملايين ويتمت ورمّلت الملايين ايضا. وعلى حد زعم الولايات المتحدة فإنها لجأت إلى ذلك الخيار لتنهي تلك الحرب وتنهي معها معاناة البشرية لتبدأ مرحلة جديدة في الحياة وتجلس تلك الدول المتحاربة لتتقاسم الغنائم وتجتر الاخرى مرارة الهزيمة. ولكن وقودها منذ الوهلة الاولى وحتى اللحظة الاخيرة، كانوا من الابرياء الذين سيقوا إلى تلك الحرب، ومثلها في الحرب الكونية الاولى، رغما عنهم. فتلك الدول كانت في حرب واشتباك في خنادق الميدان والسياسة والاقتصاد والمصالح، وللحرب كما هو معروف، قوانين أستثنائية خاصة بها، وهي إعلان حالة الطواريء كما يعلمها الجميع. وأن حالات الاشتباك تبرر الكثير من الاخطاء سواء أكان جراء القصف الجوي او اطلاق صواريخ بعيدة المدى او حتى تصرف بعض الاشخاص كما حصل في العراق نتيجة تهّور بعض الجنود من القوات المحتلة على خلفية مقتل اصدقاء او مقربين لهم فأقدموا على الثأر والانتقام وانتهت القضايا بحجة انها حالات غير مقصودة او حصلت عن طريق الخطأ. فلنقف إجلالاً لتلك الارواح البريئة التي راحت بجريرة اخطاء غيرها ونطلب لهم الرحمة وجنات النعيم.
وبتاريخ ليس ببعيد عن ذلك اليوم المشئوم من أيام آب الحارة التي قصفت فيها هيروشيما وناغازاكي وبالتحديد في 14/آب/2007، ولكن في مكان آخر وعلى فئة محددة بذاتها وبعد ثلاثة وستين عاماً. أقدمت مجموعات من أشباه البشر وبتخطيط مسبق في دهاليز الفكر الظلامي الذي لا يقبل أن يرى النور إلا من خلال القتل والتدمير وتكفير البشر الذي كرّمه الله، مع سبق الاصرار والترصد واختيار المكان والزمان بحيث تكون مساحة التدمير اوسع ما يمكن من حيث عدد البشر وتخريب الممتلكات والبنية التحتية، بتهيئة اربعة شاحنات وتحميلها بكل وسائل التدمير من متفجرات وصواريخ وقطع الحديد ومواد لها القابلية العالية على التشظي لتقتل اكبر عدد ممكن الابرياء في كل من مركز ناحية القحطانية ومجمع الجزيرة. وهنا ليس بهدف إنهاء حالة حرب أو معاناة الانسانية كما أدعت امريكا في ذلك الوقت، وأن الوضع في المنطقة ليس كما هو في حالة حرب مشتبكة مع ذلك العدو الغدّار، وإنما ليصبوا الزيت على النار ويشعلوا نار الفتنة لمزيد من المعاناة وقتل الابرياء وليس لانهاء معاناة العراقيين. وبالفعل نفذوا جريمتهم النكراء في عصر يوم الثلاثاء الموافق 14/8/2007 في تلكم القريتين المبنيتين من الطين ويسكنها الايزيديين بالكامل، فقتلوا مئات الاطفال والنساء والشيوخ والابرياء من أناس ليس لهم سوى تحمّل ويلات الحروب والحصارات وكبت الحريات والتحقير من الانسان المحيط. ولكننا نعلن ونقول بأنه ليس بإمكان القهر والاضطهاد أن يقضيا علينا، وسيبقى بيننا من يحمل لواء التحدي لما نتعرض له من ظلم وقهر وتكفير والزمن كفيل بكشف الحقائق. قد تذبل وتسقط أغصان كاملة من شجرة هذه الملة، أما جذرها وجذعها فباقيان.
كل هذا حصل بسبب أن سكان القريتين يدينون بالايزيدية كديانة متناسين عراقيتهم واصالتهم وانسانيتهم وطيبة قلوبهم وأدائهم لواجباتهم الوطنية على أكمل وجه، فارضين انفسهم كبدائل للخالق في تكفير وتحريم الناس لمجرد الاختلاف العقائدي. فأي دين يقبل بتكفير المقابل الذي خلقه الله على أفضل صورة؟ وأي دين يقبل بقتل الابرياء من العّزل والنساء والاطفال الآمنين؟ وبأي دين يتدين هؤلاء النفر الضّال؟ وأي دين أكثر إنسانية من الدين الإيزيدي الذي يدعو إلى التسامح ونشر الخير والصلاح بين البشر؟ وبماذا يتميز هذا النفر الارعن عن الاخرين سوى بالقتل والتدمير وخدمة الاجنبي على حساب بني وطنه وشريكه في الارض والمياه والحضارة؟
لقد راح ضحية هذا العدوان الاهوج والبربري الذي انسلخ القائمين عليه من كل قيم الله والشعور الانساني وقد صمّت آذانهم وأغمضت أعينهم العمياء، المئات من الابرياء بعدما صبوا نار حقدهم على العزل الامنين الراضين باقل متطلبات الحياة. بينما المحتل يصول ويجول ويقتل ويسبي وينتهك أعراضهم ويسرق امام أعينهم العمياء التي لا ترَ إلا في الظلام ولا تطعن إلاّ في الوطني ولا تقتل إلاّ البريء. فأي نوع من البشر هذا؟ وأي حاقد على الحياة هؤلاء؟ وبأي مقياس ينظرون للوطن والوطنية؟ وأي حصادٍ حصدوه غير لعنة الله وشكوى تلك الارواح البريئة للخالق للأخذ بثارهم يوم يقف الانسان امام الحق ويتحاسب على أفعاله وجرائمه؟ فلكم أيها الشهداء الابرار من عصافير جنات الخلد، وأحباب الله من البنات البكر، والنساء، ومن دخل القفص الذهبي حديثاً، والشيوخ والعزّل الابرياء، لهم جميعاً الرحمة والغفران. وعزاؤنا فيكم ايها الشهداء أن يرحمكم الله ويخزي من كان السبب أو تسبب أو ساهم في إزهاق ارواحكم البريئة، ولكن بماذا نعزي مَن لم يبق مِن عائلته ليستقبل المعزين؟ وماذا يقول لله من كان السبب في إبادة عوائل بالكامل بحيث لم يبق لهم من يشكي حالتهم، وإنما نقول بأن لهم رب رحيم سيرعاهم ويأخذ بحقهم، إنه نِعم المولى ونعم النصير.
وحسب احصائية قامت بها رابطة المثقفين الإيزيديين التي خيّمت موقعيا، رغم المعاناة، ولمدة اسبوعين في مركز ناحية القحطانية بلغ عدد الشهداء 336 شهيدا، منهم 120 من الاناث، عدا المفقودين الذين لم يتم تسجيلهم آنذاك لعدم معرفتنا بمصيرهم. وفاق عدد الجرحى 600 شخص بين طفل وشيخ وإمرأة، وتدمير أكثر من 100 آلية زراعية وسيارة شخصية، وهدم أكثر من 500 مسكن على رؤوس أصحابها، وتدمير 147 محلا تجاريا وهو كل ما كان يملكه أهل القريتين بما يعادل 9 مليار دينار عراقي على اقل تخمين، وتم إحصاء 170 يتيماً، منهم 94 إناث و 76 ذكور. والذين تيتموا من الوالد فقط 95، ومن الوالدة 30 ومن الوالدين 45. علماً بأن عدد الايتام قد فاق ال 300 ولكن لم نستطع إحصاء عدد اكبر من الذي أحصيناهم لظروف خارجة عن إمكانياتنا الذاتية. وبدورنا، تم إرسال جميع هذه البيانات إلى عدد كبير من الجهات الدولية ذات الشأن بخصوص الاقليات الدينية والعرقية مثل منظمة العفو الدولية ومركز البحث والتوثيق في الاتحاد الاوربي والشبكة الدولية لحقوق الانسان والمعهد الامريكي للسلام وغيرهم. ونستطيع نشر الاسماء كاملة وسيكون بامكان من لديه اضافة الاسماء البقية التي لم يتم إحصاءها من قبلنا الاتصال بنا أو ارساله إلينا لكي نوثقه في سجلات المنظمات الدولية ذات الشأن الانساني لتثبيت حقوقهم مستقبلا.
إننا نعلم بأن إراقة اية قطرة دم من اي مواطن عراقي بريء هي بحد ذاتها تعد جريمة مهما كانت، ولا فرق في هذا بين اي مكون من شرائح المجتمع البريء ليصبح ضحية هذا الخراب والدمار كله سواء في مواكب العزاء أو زيارة الأئمة أو مواكب الفرح أو ساحات العمال أوتفجير الاماكن المقدسة أو مراكز تجمع الشباب أو أثناء أداء الواجب الوطني. وعندما نبين هذا الامر ليس لاننا بافضل من غيرنا من الذين راحوا بسبب هذا العدوان الاهوج والبربري على الشعب العراقي. ولكن لكي نبين الغدر الذي كان يكنه هذا النفر الضّال ضد جهة معينة بذاتها وتريد متعمدا قلعها من الجذور وطردها من الأرض والوطن، وهي تفتخر بأنها قتلت ما استطاعت من ارواح بشر كونهم (كفرة ملحدين). اللهم لطفك في ما يحصل وان تهدي هؤلاء الناس الضّالين إلى الطريق الصحيح لينظروا للحياة بغير هذا العين الاعور. وحسب تقديراتنا، فإن عدد ضحايا الايزيدية من الشهداء والبالغ 571 شهيدا، حسب إحصائيتنا، جراء هذا العدوان على العراق منذ نيسان 2003، قد فاق جميع مكونات الشعب العراقي بكل فئاته إذا ما قورنت أعداد الضحايا بأعداد نفوسهم. ولسنا هنا في سباق مع ذكر ضحايانا قياسا بالاخرين، ولكن على القيادات السياسية أن تعي بان حماية الانسان والحفاظ على حقوقه الدستورية في اي بلد في العالم هي من مسئولية الدولة والنظام السياسي الحاكم، وخاصة الفئات المهمشة والاقليات الدينية والعرقية.
فبشهادة العديد من الجهات الرسمية العراقية والدولية بما فيها الامم المتحدة، لم يبلغ مستوى الخراب في اية عملية تفجير بهذا المستوى من التخريب والتدمير والتخطيط منذ دخول القوات الاجنبية إلى العراق وكان حسب المخطط المرسوم له، هو القضاء على اكثر من 30 ألف انسان وبكامل ممتلكاتهم المادية والمعنوية. وهذا العمل يعد من أكبر الجرائم التي حصلت في العراق وهو اكبر تهديد لفئة معينة حتى قياسا بحلبجة والانفال التي لم تصل في مستوى تدميرها إلى هذا الحد قياسا بعدد النفوس لكل من الشريحتن، ولذلك أطلق عليها بالضربة النووية.
وهذا يعد في عرف القانون الدولي من عمليات الابادة الجماعية لانها استهدفت فئة بذاتها والتي يجب ان يحصل فيها تحقيق دولي على مستوى المحكمة الجنائية الدولية وسنسعى جاهدين لتحقيق ذلك بإذن الله، خاصة إذا ما عرفنا بأن هنالك جهات في السلطة الحالية كان لها العلم المسبق بما يمكن ان يحصل وما جرى بحق هذه الاقلية الدينية التي تعيش بسلام ولا تريد سوى السلام ولم تقم بواجبها كما يجب القيام به، أو اخذ الحيطة المطلوبة لتلافي وقوع الكارثة التي وصفت بالنووية.
فياليتني كنت أديباً لأعبر عن ألمي وشعوري بقصيدة تصف تلك الجريمة النكراء والتي أذهلتني بما شاهدته من خراب ودمار وقتل وتشريد وأشلاء أطفال وإبادة جماعية. أو كنت فناناً لرسم لوحة تعبر عن تفاصيل ما جرى واحملها على كتفي وأتجول بها مشياً على الاقدام وأطوف بها الكرة الارضية لحشد حملة عالمية لحماية هذه المجموعة البشرية التي تحمل عبق الماضي السحيق بين ثناياها من الاندثار. أو تكنولوجيا لتنظيم فيلم وثائقي وأعرضه في الساحات والطرقات العامة وأمام البرلمانات العالمية ليروا ما يجري في هذه الارض من تعدي في وضح النهار بحق الابرياء وكأن شيئاً لم يكن. ولكني عملت ما في وسعي بايصال ما يمكن ايصاله من أصوات تلك المعاناة وصور الضحايا والخراب إلى الجهات الدولية. اللهم منك اللطف، ومنك العون، ومنك الصبر والسلوان.


وفي ختام كلامي أدعوا المجلس الروحاني بتسمية هذا اليوم، يوم حداد في جميع المناطق التي يسكنها الإيزيدية في العالم. كما أدعو إخوتي في المهجر بتنظيم معرض للصور واللوحات التي رسمها فنانونا الكرام والقصائد الشعرية التي نظمها الشعراء الافاضل وما سجله المناضلين من أفلام وما كتبته أقلام الاصدقاء الخيرين من غير الايزيديين بدءً بكارثة الشيخان، مروراً بجريمة قتل عمال بعشيقة وبحزاني وانتهاءً بهيروشيما سنجار. ودعوة المنظمات الدولية والاتحادات والبرلمانات العالمية إليها والمطالبة الدولية باجراء تحقيق بما جرى ويجري، ليكف هؤلاء العابثين الفارضين أنفسهم وكلاء الله على الارض وأوصياء على الشعوب والاديان والمعتقدات بغير وجه حق. أكرر دعوتي مرة ثانية لهذا الاجراء الفعّال الذي سيعّرف العالم بنا أكثر وسيعيد الأمر إلى الاذهان من جديد. ومن الله التوفيق والعون.


علي سيدو رشو/ رئيس رابطة المثقفين الإيزيديين
ناشط في مجال حقوق الانسان والمجتمع المدني
القاهرة في 8/8/2008
كيف يمكن قراءة نتائج السادس الثانوي في سنجار هذا العام؟

قبل فترة كتبت مقال قصير تحت عنوان "كيف تموت المجتمعات؟" ولكن الان سوف اقوم بتعديل ذلك العنوان في هذا المكان لأقول كيف تتم إماتة المجتمعات؟
في مثل هذه الاحوال والمناسبات لابد من التفكير بعمق في هكذا نتائج، وتحليل حيثياتها والاسباب والملابسات التي يمكن استنتاجها من حيث؛ كيف حصلت؟ وما هو السبب في هذا التدني في مستوى التعليم؟ ولكي نعلق على هذا الامر وارجو مشاركة الاخرين في هذا التعليق وخاصة التربويين، فلا بأس من ذكر النتائج التي حصلت عليها ثانويات قضاء سنجار عامةً. فكانت النتائج التي ظهرت حسبما وردتنا من مدير إحدى المدارس الثانوية وهو في وضع لايحسد عليه من هول وصدمة ما حصل. كان عدد المشاركين في الامتحان الوزاري لقضاء سنجار هذا العام حسبما وردنا 723 طالب وطالبة، منهم 523 من الفرع العلمي و200 من الفرع الادبي. وكان عدد الناجحين في الدور الاول هو 31 طالب فقط، اي بنسبة أقل من 4% وكان عدد الطلاب الناجحين في كل ثانوية هو حسبما موضح في الجدول الآتي:

تسلسل
اسم الثانوية
عدد الطلاب/ علمي
عدد الطلاب/أدبي
عدد الناجحين/علمي
عدد الناجحين/ادبي
1
خانصور
85
32
3
2
2
حطين
71
-
2
-
3
سنوني
41
-
1
-
4
بيروت
25
35
2
-
5
العراق
34
-
2
-
6
العلا
-
45
7
-
7
سنجار/ بنات
32
22
4
-
8
محمد القاسم
82
-
1
-
9
ثانوية سنجار
68
-
3
-
10
القدس
23
21
4
-
11
تل بنات
25
45


12
القحطانية
29
-


13
النداء
18
-


11
المجموع
523
200
28
3

لقد استفسرت عن هذه النتيجة وملابساتها ومقارنتها مع نفس الثانويات في العام الماضي ومستوى الطلبة لهذا العام من بعض مديري تلك الثانويات باتصالات هاتفية. فقد وردني من مدير ثانوية حطين ما يلي: في العام الماضي ومن نفس الثانوية كان عدد الخريجين 46 طالب منهم 6 تم قبولهم في كليات الطب والصيدلة والهندسة و40 منهم في باقي الكليات والمعاهد والذين وبكل اسف لازالوا يجوبون الشوارع ولم يلتحقوا بكلياتهم بسبب الاوضاع المعروفة.
وفي هذه السنة وحسب توقعاته وما استنتجه من حال الطلبة بعد خروجهم من الامتحانات بأن العدد سيكون افضل من العام الماضي وبنتائج اكثر تفوقا حسب متابعته لطلابه الذين هم في الغالبية من نفس قريته ويعرفهم ويعرف مستوياتهم العلمية. وحسب قوله كان هنالك عدد كبير منهم قد تجاوز السعي السنوي قبل دخول الامتحان ال 95% وهو دليل على تفوق مستوى الطلبة في دراستهم وحرصهم على ذلك المستوى والتفوق. وعندما خرجوا من قاعات الامتحان كانت توقعات غالبيتهم بأنهم سيحصلون على اقل تقدير 90% فما فوق.
إذن ماذا جرى لهؤلاء الطلبة وما هو السبب من وراء هذا التدني لهذا العام؟ هل السبب هو مستوى الطلبة العلمي المتفوق على مدار العام ومن ثم تدهورت فجأةً في يوم الامتحان؟ ولو كان الأمر كذلك، لكان أن يحصل لمجموعة أو قلة من الطلبة في ثانوية واحدة مثلا لظروف قد تحصل لاي سبب كان. أما أن يصبح هذا المستوى لثانويات لها باع طويل في المستوى العلمي وطلبة سنجار المعروفون بمستواهم العلمي المتفوق في كل عام، فهذا أمر يدعو إلى الشك وتدخل معين غير نزيه في إحداث متعمد لهذا الامر. خاصة وقد علمت بان اسماء الطلبة على دفاتر الامتحان كانت مفتوحة بعكس جميع السنوات في تاريخ الامتحانات في العراق منذ عشرينات القرن الماضي ولحد الان بحيث تكون الاسماء على الزاوية العليا من جهة اليسار ومن ثم يتم قص الاسم وترسل الدفاتر بارقام سرية إلى مراكز التصحيح. وبعد التصحيح يتم الصاق الاسماء من قبل لجنة ثانية حسب تلك الارقام لكي يتم التاكد من سرية وحفظ حق الطالب من الغش والتلاعب.
فإذا كانت التعليمات الامتحانية تسمح بان تكون اسماء الطلبة مكشوفة اثناء التصحيح، فهذ السبب لوحده كافِ للطعن بالنتيجة لدى المنظمات الدولية ومنظمة اليونسكو التي تهتم بشئون التربية والتعليم، لان ذلك يعتبر من الخروقات الكبيرة في نظام التعليم ويعرض مصير الطالب لمزاج المصحح وضميره وليس لاستحقاق الطالب وسهره وضياع مستقبله.
أما أن يقال بأن نقل مراكز أمتحان جميع الطلبة من الخارج إلى مركز قضاء سنجار لتلافي محاولات الغش التي يقوم بها المدرسين للطلبة، فليس من المعقول ان جميع المدرسين كانو يغششون للطلبة، وكذلك ليس من المنطق أن جميع الطلبة كانوا يعتمدون على الغش لكي يقال بانه السبب الوحيد والاساسي في هذا الفشل المريع. وإنما يراد بهذه التهمة الجاهزة والملفقة لكي يتم التغطية على ما جرى، وإلا أليس في كل سنة المراقبين من مختلف المناطق وهنالك مدير مركز يضبط القاعة الامتحانية؟ ثم إذا كان يحصل الغش في السنوات السابقة، ماهي الاجراءات التي تم أتخاذها بحق الذين كانوا يسهلون عمليات الغش في قاعات الامتحان؟
لذلك نقول بأن لهذا الامر غاية أخرى غير ما معلن عنها وهي محاولة الابقاء على تخلف هذه الشريحة والاقلية الدينية لتصبح بعيدة عن التقدم والحضارة وتعيش وتجتر التخلف ومن ثم سهولة انقيادها من قبل الاخرين لتحقيق مصالحها على حساب حقها في الحياة الكريمة والمستقبل العلمي لأجيالها الساعدة التي تريد تبوء دورها الانساني والحضاري. وقد بدا من تصريح رئيس لجنة التربية في مجلس النواب السيد علاء مكي بان النتائج كانت مخيبة في محافظات نينوى والرمادي وبغداد وصلاح الدين. أي في محافظات محددة دون غيرها مما قد يستشف منه بأن هنالك تلاعبا في مصير الطلبة في بعض الاماكن دون غيرها لهذا العام بقصد مسبوق.
ويمكن تلخيص أهم اسباب الرسوب حسب ادعاء مديري المدارس هي:
1- التصليح السيء بتعمّد.
2- عدم كفاية الملاك التدريسي وكذلك غالبية المدرسين من الخريجين الجدد ولم يدخلوا دورات تربوية.
3- كثرة العطل الرسمية والمناسبات الدينية والوطنية وحظر التجول.
4- قلة الكتب المنهجية وتأخير وصولها في الموعد المحدد.
5- ازدحام الطلبة في القاعات الدراسية حيث يصل العدد احيانا 60 طالبا في الشعبة الواحدة.
6- الوضع النفسي للطلبة وقناعتهم بعدم امكانية تواصل دراستهم الجامعية بسبب الوضع الامني وتهديد الارهابيين لطلبة الاقليات الدينية والمذهبية في البلد.
7- عدم غلق اسماء الطلبة وتركها مفتوحة وهي بذلك تخضع لمزاج المصحح وضميره والاتجاهات السياسية والمذهبية، وليس كما في السابق الاسماء سرية بحيث لا يعرف اسم الطالب مما قد يجعل الانتقام بهذه الطريقة حسب المناطقية والعرق والانتماء المذهبي والديني.
إن المتتبع للوضع العام يرى بأن هذه الاسباب جميعها هي من مسئولية الدولة لكي يكون الطالب في وضع يتمكن معه اداء الامتحان بشكل سلس وشفاف، وليس الطالب الذي اضحى الضحية الوحيدة في هذه المعادلة. ومن الله التوفيق

علي سيدو رشو/ رئيس رابطة المثقفين الايزيديين
ناشط في مجال حقوق الانسان
القاهرة في 8/8/2008

30 يوليو، 2008

نسب تمثيل الاقليات في مجالس المحافظات

نسب تمثيل الاقليات في مجالس المحافظات
يبدو صحيحاً بأن للديمقراطية فنون وظروف مختلفة في التطبيق حسب الزمان والمكان والمزاج والظرف السياسي وما يملي على هذا الظرف من قوى متعددة دينية وسياسية بالدرجة الاساس. فالبرلمان العراقي وافق في يوم 22/7/2008 على قانون مجالس المحافظات في عموم العراق عدا كركوك، وبتعليمات واضحة وصريحة وبنود قانونية لا غبار عليها وباسم (الشعب طبعا).
في حفل كبير حضره ممثل سفارتي بريطانيا والولايات المتحدة وعدد كبير من الدبلوماسيين والوزراء والبرلمانيين والشخصيات العالمية ذات الاهتمام بشأن الاقليات اثناء تسمية برلمان الاقليات العراقي يوم 27/5/2006 في فندق الرشيد ببغداد. القى السيد المشهداني كلمة مقتضبة ولكنها عميقة في معانيها النظرية وقال بأن: "ضمان حقوق الاقليات يعتبر في التحولات الديمقراطية بمثابة بارومتر لقياس تلك الديمقراطيات وبإذن الله سنعمل على تحقيق ذلك في العراق الجديد". لقد تفاءلنا خيراً وسررنا بهذا التعليق من رئيس برلمان لدولة حديثة في مسعاها لتحقيق الديمقراطية.
ولكن لنرى ما جاء في بنود قانون مجالس المحافظات من تدمير لمفهوم الاقليات ومستقبلها ومن ذات الشخص ومن نفس البرلمان ومن غير ان يابه به احد ويهتز ضميره ليرى الاخر بعين الانسانية. وإليكم نص ما جاء في القانون بخصوص الاقليات ونسب تمثيلهم في تلك المجالس والشريف الذي يقارن بين هذه النسب وعدد النفوس لهذه الاقليات وحسب البطاقة التموينية التي اقرها نفس البرلمانيين. " المادة (50) تمنح الاقليات القومية والدينية المسيحية المنصوص عليها في الدستور مقاعد في مجالس المحافظات وكما يلي :-1- محافظة بغداد (3) ثلاثة مقاعد.2- محافظة نينوى (3) ثلاثة مقاعد، مقعد واحد للايزيديين ومقعد واحد للشبك. 3- محافظة كركوك (2) مقعدان.4- محافظة دهوك (2) مقعدان 5- محافظة اربيل (2) مقعدان.6- محافظة البصرة (1) مقعد واحد.المادة (51): لا يعمل بأي نص يتعارض وأحكام هذا القانون.المادة (52): ينفذ هذا القانون من تأريخ المصادقة عليه من قبل مجلس الرئاسة.الأسباب الموجبة

واترك التعليق لكل ذي حس وطني وصاحب ضمير حي عاش على تربة هذا الوطن وشرب من مائه واستنشق من نسيم هوائه، وأكل من تعب الايزيديين الطماطة والخيار والفاكهة والبصل والزيتون والتين وغيرها في زمن الحصار ولبس من الذهب الذي صاغه الصابئي المندائي وعرف معاناة الكرد الفيليين وتهجير الشبك وقتل وتهجير الكلدوأشوريين ومعاناة التركمان. وكذلك الذين لهم بعد انساني لكي يروا ما يجري بين (الكتل)، وهم فعلا كتل وليسوا سوى ذلك. ففي احدى زياراتي لبيت أحد الاصدقاء الاجانب في مونتريال، وبعد المجاملة والترحيب والحديث عن التحول الممكن حصوله في العراق، أخرج من مكتبته اطلسا بهيج الالوان وقام بشرح محتوياته وأشار إلى أحد الرسوم وقال لي: هل تعرف ماذا يعني هذا الرمز؟ قلت له ارجو ان تشرح لي مضمونه لانك شوقتني إليه. قال كما تعلم، أن كندا بلد في غالبيته من المهاجرين من مختلف بلدان العالم في حقب زمنية متعاقبة. وبمبادرة من مؤسسة خيرية كندية قامت مجموعة من المتطوعين بعمل رموز لمواطني كل بلد له رمز مختلف عن الآخر يشير إلى حضارته وابرز معلم في بلدة الذي هاجر منها. ولكن قلت له؛ وما الغريب في الامر لكي تريني هذا الرمز دون الاخرين؟ قال، إن هذا الرمز يشير إلى وجود مواطن واحد فقط من بلد واحد وله رمز كما هو لمواطني دولة اتى منها اكثر من مليون انسان إلى كندا. فأقول؛
ألا تخجلون يا من مكثتم في بلدان الديمقراطية سنين طويلة (كمعارضة سياسية)؟ ألم تتعلموا الف باء تلك الديمقراطية التي تتحدثون عنها؟ هل نسيتم ما وعدتم به هذا الشعب المغلوب ومنهم الاقليات قبل مجيئكم البغيض؟ ألم تقولوا بأن الذين كانوا يحكمون العراق مجرد رعاع ودكتاتوريون ولا يفهمون غير لغة الفساد والافساد؟ هل ابقيتم مستوى من الفساد الخلقي والاداري والمالي والاجتماعي والسياسي لغيركم؟ كم هو عدد الايزيديين في محافظة نينوى يارعاع، لكي تخصصوا مقعدا واحدأ لنسبة سكان تقدر باكثر من 20% من مجموع سكان محافظة نينوى؟ كم يبلغ عدد سكان الايزيديين في محافظة دهوك التي خلت من اسماء ممثلين عنها في اي مستوى من المشاركة في المقاعد؟ ولتكن هذه رسالة واضحة وصريحة لكل من يتبجح بجنة كردستان للإيزيديين ويطالب الحكومة المركزية بمطالبهم المهضومة وينسون ويتناسون نفس الحقوق في جنة كردستان، وكذلك الذين يلومون الاقليات بالهجرة والهروب من بلد يحكمه رعاع قسموا البلد إلى حصص وكأنه ملك اجدادهم.
تعالوا معي ولاحظوا الاسباب الموجبة لإصدار هذا القانون، الجواب "ولا كلمة". اللهم انك بريء وايانا من هذه الديمقراطية التي ليس لها مثيل، وفعلا القانون لا يحتاج شرح للاسباب الموجبة. ثم لنقرأ المادة التالية.

المادة (34) : أولا : يحظر على أي حزب أو جماعة أو تنظيم أو كيان أو إفراد أو أي جهة كانت ممارسة أي شكل من أشكال الضغط أو التخويف أو التكفير أو التخوين أو التلويح بالمغريات أو منح مكاسب مادية أو معنوية أو الوعد بها.ثانياً: يحرم أي حزب أو كيان سياسي يحتفظ بمليشيا مسلحة من المشاركة في الانتخابات. ثالثاً : يحرم أي كيان سياسي من المشاركة في الانتخابات وحساب الأصوات في حال قيامه بغلق منطقة انتخابية بالقوة أو التهديد باستخدام القوة لصالحة أو ضد غيره. المادة (35): يمنع استخدام دوائر الدولة ودور العبادة بأية وسيلة كانت لأغراض الدعاية الانتخابية.
تمعّنوا فيما ورد في هاتين المادتين من مواد القانون الصادر من (برلمان العراق). هل يوجد حزب في السلطة الان من دون ان يكون له جيش من الميليشبات يقتل ويسلب ويهّجر ويتّمون من ميزانية الدولة؟ هل يستطيع البرلمان الموقر من استبعاد اي حزب سياسي له ميليشيات من العملية السياسية والمشاركة في انتخابات مجالس المحافظات بحيث يحترم بنوده هذه؟ هل يوجد في العالم تخوين اكبر مما يحصل الان في العملية السياسية وخاصة في البرلمان العراقي؟ هل يوجد في العالم شراء ذمم اكثر مما يحصل في بلد الديمذراطية الان؟ على من تضحكون ياناس!!!!!!!! هل حصل في تاريخ العالم فساد مالي وسرقة عشرات الالاف من بلايين الدولارات تحت اسم الديمقراطية؟ ماذا ابقيتم من فساد لغيركم لكي يتم مقارنتك بهم في المستقبل؟ ماذا نقول لمستقبل الاقليات التي تئن تحت اسم مناطق متنازع عليها من خمس سنوات وهي محرومة من كل استحقاق ومواطنة؟ ماذا نقول بعد كل هذا لكي نصنفكم وحسب اي كتاب سيتم تصنيفكم للارقام الخيالية في كل ما هو بعيد عن جادة الحق والعدالة؟ لاحظوا وقدروا عدد المهاجرين من الاقليات إلى العالم الخارجي. أليس هذا دليلا صارخا على (ديمقراطيتكم)؟
منذ خمس سنوات وتقاتلون ما تسمونة القاعدة (وانتم جلبتموها لنا)، وراح ضحية هذا الامر اكثر من نصف مليون عراقي شهم غيور وبدون ذنب. تشرد اكثر من عدة ملايين إلى خارج الوطن ومثلهم نزح في الداخل إما لكونه شيعي او سني او كردي او اخرى كما تسمونهم. ترملت مئات الالاف من النساء النجيبات، تيتم ملايين من الاطفال الابرياء تحت حكمكم (الرشيد)، تأخر التعليم وتدنت الصحة والخدمات، زادت الطائفية والعنصرية الدينية والقومية، ارتفع سعر برميل النفط اربعة اضعاف ماكان في العهد البائد وزادت معه عائدات النفط ولكن قلت حصة المواطن من استحقاقاته ولم يرَ العراقيين حصتهم من عائدات النفط التي وعدتمهم بها. ماذا جنى العراقيين من مجيئكم سوى الخيبة والقتل وتعميق التفرقة؟ كم من السنين يحتاج الامر لكي يتم اصلاحكم ايها المفسدين والعابثين بقيم وانسانية وكرامة المواطن العراقي؟ ولكن التاريخ سيلعن كل من انحرف وكان السبب في ما حصل من تفرقة وخراب وعنصرية وخيبة في مستقبل هذه هذا البلد ومنهم الاقليات الدينية والعرقية الذين هم مِن اشرف مَن فيكم.
إننا نستطيع مثلكم ان ننخرط في تحالفات وتعاون مع جهات دولية وتخريب البلد من اساسه لو نرغب بذلك. ولكن خسيء من يفكر بهذا الامر ويلعب بمصير بيته الذي حماه ووقاه وحضنه واكل من زاده وشرب من ماءه الطاهرة النقية. فليكن مقعد واحد للإيزيدية في مجلس محافظة نينوى، وبالتاكيد هذا المقعد سيكون من حصة شخص محسوب على حزب سياسي وليس محسوب على المجتمع الايزيدي، فياحبذا لو يتغير هذا الاسم ايضا ويقال مثلا مقعد واحد لعبدة ابليس لكي يصبح تعريفنا اكثر وطنية وفي حينة سوف لن يكون هذا المقعد من نصيب احد سوانا. وليقول السادة اعضاء برلمان كردستان من (الايزيديين)، بأن الامر مادام الايزيديين هم أكراد اقحاح، فلا داعي لعمل انشقاق عنصري وتتم المطالبة بممثل عنهم في مجلس محافظة دهوك. يا سلاممم على الذي يجري في بلد العجائب (العراق).


علي سيدو رشو/ ناشط في مجال حقوق الانسان
القاهرة في 29/7/2008

15 يوليو، 2008

لماذا مذكرة اعتقال بحق البشير؟
يبدو أن الخروج عن طاعة الامريكان قد اصبح جرما لا يمكن الا ان يصف في خانة الارهاب والخروج عن القانون، بل ويجب معاقبة كل من يتجاوز هذا الخط رئيسا كان أو مرؤوسا. السيد رئيس المحكمة الجنائية الدولية ارسل مذكرة توقيف بحق البشير، طبعا البشير رئيس دولة ذات سيادة في الامم المتحدة وجامعة الدول العربية. وكانت الاتهامات هي في ابرزها محصورة في ثلاث نقاط رئيسية وهي: جريمة الاغتصاب للفتيات وكبار السن من النساء، وتجويع اهالي دارفور، وتخويفهم إضافةً إلى القتل والتشريد والاعتقالات العشوائية وغير ذلك.
إنه جميل أن نسمع من رئيس محكمة دولية، السودان لم يوقع على الاعتراف بها طبعا، بأن هذه الجرائم تبرر اصدار مذكرة توقيف بحق رئيس جمهورية لأكثر من خمسين مليون انسان. وقد يكون بعد القاء القبض عليه مصيره كمصير صدام حسين، وقد يكون ابشع؛ من يدري!
في تصوري أن السيد رئيس المحكمة ليس من هذا الكوكب ولم يسمع بما عملته امريكا في العراق بدءً بالحصار في عام 1991 وانتهاءً بالاحتلال في ابشع صوره في ربيع عام 2003. لقد عرفنا بالجرم المشهود الاغتصاب بابشع ما يمكن تصويره في سجون الاحتلال ومن قبل السلطات التي جاءت بها امريكا بعد الاحتلال. ورأينا صور عبير ذات الاربعة عشر ربيعا في المحمودية والتي تم احراق جثتها واخواتها بعد الاغتصاب لاخفاء الجريمة ولم تتم اصدار مذكرة بحق الضابط المسئول عن تلك المجموعة المجرمة من جنود الاحتلال. وعرفنا عن مقتل السبعة عشر مدنين على ايدي مجموعة بلاك ووتر في شوارع بغداد. وعرفنا عن تشريد اكثر من اربعة ملايين عراقي في الداخل والخارج وتفريغ البلد من كل كفاءاته ومحتواه من التراث والتاريخ والاثار وهدم البنية التحتية وتخريب الاقتصاد والتعليم وهدم المنازل على رؤوس اصحابها وتهديم اماكن العبادة وكل ما يتعلق بتاريخ العراق العظيم منذ فجر التاريخ. ولكن كان مقابل كل هذا فقط كلمة "sorry". وهي في العرف الامريكي كفاية على سحق الاستاذ الدكتور طلال الجلبي وعائلته عندما كان واقفا بسيارته الشخصية في طابور البنزين منتظرا دوره ليمون سيارته واذا بعربة امريكية تسحقة مع زوجته وابنته كرغيف خبز خارج لتوه من التنور في الشارع العام امام جامعة الموصل، وكان الرد كما هو متوقع "sorry". أو كما حصل مع مها وزميلاتها الاربعة عندما خرجن من اداء الامتحان في كلية القانون بجامعة الموصل وتسحقهم سترايكا امريكية في الشارع العام في مدينة الموصل، وكانت الإجابة "sorry" لان السائق لا زال لم يتعرف على شوارع المدينة ومداخلها. والكثير الذي لا يوصف من الجرم الذي حصل في كل بقعة على ارض العراق.
الوجه الثاني من الموضوع وهو التجويع، اللهم لم اشهد ولم اسمع في التاريخ مثل ما تعرض له شعب بكامل مكوناته مؤلف من اكثر من 25 مليون انسان ان يتعرض لمثل هذا التجويع لمدة 15 سنة بالتمام والكمال ولا زال. وباحصائية من الامم المتحدة اكثر من نصف مليون طفل عراقي ماتوا خلال فترة الحصار بسبب نقص الدواء والغذاء وخدمات المستشفيات والصحة وحليب الاطفال.
وما ادراك ما التخويف والرعب والرهبة التي جاءت بها قوات الاحتلال في كل ما هو بشع ومن اساليب تستخدم لاول مرة في تاريخ البشرية. الاعتقالات العشوائية والمداهمة في عمق الليل بالطائرات المروحية التي كادت احيانا تقلع محلات بكاملها من الاساس. القتل العشوائي في الشوارع بعد تعرض قافلتهم لاي هجوم ومهما كان مصدرة يكون الضحية المدنيين الذين يجوبون الشوارع بحثا عن لقمة العيش.
وماذا نتكلم عن الفساد الاداري الذي فاق الارقام الفلكية. وبمعادلة بسيطة يمكن تصور حجم الهدر في المال العام ونمو الفساد؛ فمثلا كان سعر برميل النفط قبل سنتين بمبلغ 35 دولار والان تجاوز ال 140 دولار. فإذا كان العراق يصدر مليون برميل فإن عائد النفط اليومي هو 35 مليون دولار ولكن بنفس طاقة التصدير فإن الوارد اليومي الآن هو 140 مليون دولار اي اربعة أضعاف مع زيادة استقرار سعر الدينار عن تلك الفترة. عليه، فإن جميع هذه الاموال سواء كانت في زمن صدام حسين ام في هذا الزمن هي ليست ملكا للشعب العراقي كما ادعوا قبل الاحتلال وانما النتيجة واحدة سواء استخدمت في شراء الاسلحة والدخول في حروب غير مبررة او في التهريب للخارج وشراء العقارات وزيادة نسبة الفساد والافساد.
لذلك نضع هذا الامر البسيط امام السيد رئيس المحكمة الجنائية ليتأكد من المجرم الحقيقي في تدمير الشعوب والحضارات وتخليق الارهاب والفوضى الخلاقة والجريمة المنظمة بكل اشكالها المنظمة، هل هو بوش ام البشير ام صدام حسين، واعتقد جازما بإن المجرم الاول على وجة التاريخ هو الرئيس الامريكي وادارته.

علي سيدو رشو
ناشط في مجال حقوق الانسان
القاهرة في 15/7/2008

20 أبريل، 2008

لن يكون لنا صوت على مدى الدهر ما لم يكن لنا تنظيم سياسي

علي سيدو رشو
رئيس رابطة المثقفين الأيزيديين في العراق
rashoali@yahoo.com

لقد أرتايت بان لا أرد على ما يصدر من نقد لكي لا ندخل في مهاترات ونضيع الوقت على ما هو غير مفيد وغير مجدِ ونشحن الصفحات التي من الأفضل أن تستثمر لما فيه خيرالمجتمع العراقي والإيزيدي منه بشكل خاص، والحقيقة رأينا الرد من قبلكم في بداية الصفحة على السيد نايف كافياً. لذا نقول بأن الوضع الحالي في العراق بالغ التعقيد بحيث أن الحرب على العراق قد تحولت إلى حرب في العراق ومن ثم إلى حرب بعض العراق ضد البعض الآخر، لا بل إلى حرب بعض هذا البعض ضد البعض الآخر وهكذا إلى أن اصبح الصراع داخل النفس الواحدة بدا يشكل خطراً يجب أن يحسب له ألف حساب. ويبدو ان هذا الخطر قد تجاوز حدود العراق وأصاب عدواه البعض من مجتمعنا الايزيدي الكريم في المهجر والذي لا يرى النور ولا يقرأ المستقبل إلاّ من خلال الاعلام الموجه الذي لا يختلف عن سابقه، ولا يعرف ماذا يجري على الأرض من وقائع، أو من ما يطرحه بعض الذين كسبوا الشهرة على حساب الأيزيدياتي، ومن ثم باعوا قماشهم الثمين في الاسواق الرخيصة وبسعر (البالة). فوا أسفاه لمثل هذا الذي يحصل!
إن المتتبع لمثل هكذا انتقادات لاذعة وكتابات غير مبررة بحق الذين يكتبون عن معاناة الأيزيدية. إما إنهم لا يؤمنون بانتمائهم الأيزيدي أو إنهم مأجورون بأوراق خضراء على مثل الأخت الكريمة هيام . ورغم جهل وجهالة الناطقين بها، نرى بأن الأمر لا يخلوا من دس السم في العسل. حيث يظهر بين حين وآخر كلام يبدو لناظره على أنه ينم عن تعصب لجهة معينة أو قد تم استغلال بساطته وجهله السياسي. ولكن بعد فترة يظهر بأن هذا الشخص قد كوفيء من قبل حزب سياسي معين، مما يوحي بأن للموضوع صلات أخرى غير ما تم الافصاح عن ما وراء القصد المعلن. لذلك سوف نأخذ تهديد السيد نايف على محمل الجد، خاصة وإنه يمثل جهة سياسية وتطاول على شخصيات وأحزاب سياسية ومنظمات جماهيرية تعني بقضايا المجتمع المدني والطعن في مصداقياتهم بمسمياتها. وسوف نمرر هذا الموضوع، بل وقد أعلمنا الكثيرمن المنظمات العالمية المعنية بحقوق الأنسان بالأمر لكي تقف على حقيقة ما يعانية المجتمع الأيزيدي اليوم قبل أي وقت آخر نتيجة التدخل الحيوي في تغيير مسار حياته بتسخير وتمويل مأجورين بعد التحول الديمقراطي الذي كنا نتأمله عقب سقوط النظام، وسوف نهتم بمثل هكذا كتابات وتهديدات لانها تعبر عن مواقف قوى سياسية وليست ردود أفعال لأشخاص.
لقد أطلعت على واقع الكيانات السياسية التي سوف تشترك في العملية الأنتخابية في الثلاثين من هذا الشهر، وأن عدد الأحزاب الكردية التي ستساهم في تلك العملية بلغ ستة عشر حزباً سياسياً عدا الشخصيات والأفراد المستقلة، وهم : ( حزب المحافظين الكردستاني، التيار الوطني الكردستاني، حزب ديمقراطيي كردستان، الحركة الديمقراطية لشعب كردستان، الحزب الشيوعي الكردستاني، الحزب الأشنراكي الديمقراطي الكردستاني، حزب الحل الديمقراطي الكردستاني، جماعة المستقلين الأكراد، الجماعة الأسلامية الكردستانية، حزب العمل الديمقراطي الكردستاني، الحزب الديمقراطي الكردستاني، حزب الأتحاد الوطني الكردستاني، حزب العمل الكردستاني، الاتحاد الاسلامي الكردستاني، الاتحاد القومي الكردستاني، حركة فلاحي ومضطهدي كردستان، وحزب كادحي كردستان). أما الأحزاب الكلدوآشورية ( المسيحية)، فهي الأخرى: حزب بيث النهرين الديمقراطي، حزب الأتحاد الديمقراطي الكلداني، الحزب الوطني الاشوري، حركة تجمع السريان المستقل، المجلس القومي الكلداني، والحركة الديمقراطية الآشورية، إضافة إلى الأحزاب والتجمعات التركمانية ظمن أقليم كردستان، ولكنني لم أجد فيه حصة للإيزيديين.
إننا نسأل الأيزيديين أولاً ثم أية جهة وأي صاحب ضمير قد مورس الاضطهاد بحقه في العراق، أليس من حق الإيزيديين أن يكون لهم تمثيل سياسي ضمن هذه التشكيلة في المنطقة التي تدعي بها الأحزاب الكردية على أنها جزء من كردستان؟ وإذا كان الجواب بالايجاب، لماذا هذا الضغط على الحركة الإيزيدية الفتية تحديدأ، والتي تأسست على أخطاء الأحزاب الكردية الرئيسية في مناطق سكنى الأيزيدية ومحاربتها؟ ثم لماذا لم تشترك شخصية إيزيدية ولو من الأحزاب الكردية في مؤتمر أربيل يوم السادس والعشرين من الشهرالماضي عند وضع آلية قائمة أقليم كردستان لانتخابات المجلس الوطني؟. وهل من الخطأ أن يصبح هناك تعاون سياسي فيما بين الحركة الأيزيدية والأحزاب الكردية؟ أو على الأقل تمثيل سياسي إيزيدي؟ ثم هل من الجائز هذه الحرب على كل ما يعبر عن نهضة وصحوة تطالب بالخصوصية الأيزيدية؟ أليس يعتبر الدين من العوامل المهمة والرئيسية في تمييز وخصوصية الشعوب حتى ولو كانوا من نفس القومية؟ ثم لماذا هذا التركيز على تغطية الديانة الأيزيدية وتغليفها بالقومية الكردية؟ فليكن بعلم جميع المجتمع الأيزيدي، أنه سوف لن يكون له صوت على مدى الدهر ما لم يكن له تنظيم سياسي. وقد قيل الكثير أيضاً بحق منظات المجتمع المدني الإيزيدية على إنها فقاعات سرعان ما تطوف وتنتهي. ويبدوا أن قصيري النظر قد بنوا أفكارهم على مستوى التعامل مع بعض ضعاف النفوس من الذين يسيل لعابهم على المادة، ثم نرى بأن الأحزاب الكردية تستكثر على ثلاثة أرباع مليون إنسان إيزيدي مضطهد على مر التاريخ (و جزء أساسي من هذا الأضطهاد الديني جرى عليه بفتاوى وحشد عسكري من رجال دين أكراد)، أي نشاط فكري أو سياسة مستقلة عنها تهتم بالخصوصية الأيزيدية. واليوم يتباكون على حقنا وكأننا مجموعة أيتام وليس فينا من يستطيع أن يطالب بحقه إلاً من خلالهم. إننا نضع بعض هذه الأمور أمام السادة الإيزيديين الذين عاشوا فترة طويلة في بلدان المهجر ونقول لهم، أليس كان من الأشرف بكم تشكيل تنظيم سياسي يطالب بحق المجتمع الأيزيدي حاله حال جميع الحركات السياسية التي بدأت تطالب بحق مواطنيها بعد سقوط النظام وكنتم على دراية بتغيير الواقع الحتمي لسياسة العراق؟ ثم تضيفون إلى قوة الأحزاب الكردية قوة إضافية اخرى بدلاً من الاستجداء. وبدلاً من ذلك تكيلون التهم إلى الحركة الفتية الأيزيدية ومنظمات المجتمع المدني التي حملت هموم هذا الشعب الذي أبتلى بمثل هذه الأفكار الضيقة التي تطالبون بها للغير على حساب مجتمعكم، في الوقت الذي كان من الواجب أن تتبنوا أنتم دعم هذه المنظمات بشكل خاص لأنكم تعلمون أهميتها في ظل التحول الديمقراطي للمجتمعات، خاصة وأنتم تعيشون في بلدان قطعت أشواطاً في هذا المظمار. فيا لبئس التفكير والقصور في الرؤية لمستقبل ما سيحل عليكم ولكن بعد فوات وحيث لا ينفع الندم. فنحن نرى الأمور هكذا وستكون مطاليبنا بحجم معاناتنا ولا ننظر إلى فتح مقر للحزب في قرية نائية تبلغ الأمية فيها 95% على أنه إنجاز ديمقراطي، ولا ننظر إلى الخيم والكراسي ومقرات الأحزاب في القرى الأيزيدية إلاّ تعبيراً عن الاستخفاف بمستوى الأيزيدية والتركيز على نفس الذوات التي كانت تعمل لحساب مخابرات النظام البائد على حساب مستقبل الفقراء وتقوية دورهم ونفوذهم في الوقت الحاضرأيضاً ليكونوا عملاء لهم كما كانوا في السابق، أو التركيز على تدريس اللغة الكردية في وسط عربي حيث لا يختلف الوضع معه عن الأمية. بل نحترم جهود الأحزاب عندما تضع برنامجاً واضحاً لتغيير البنية التحتية لبناء الأنسان وتنمية افكاره بحيث يستوعب التقدم والتكنولوجيا في هذا العصر وفتح مراكز التأهيل والتدريب والتطوير والأهتمام بالمرأة والتركيز على الخدمات الاساسية كالتعليم والصحة والمواصلات والمشاريع الزراعية والبطالة، وليس من يدخلنا في متاهات الكسب الحزبي والمنافسات الحزبية الضيقة التي ولّى زمنها بعد فشل مريع لتجربة حزب البعث في العراق طيلة عقود من تاريخ العراق الأسود،
لقد تم تشكيل قوائم الترشيح للمجلسين الوطني والكردستاني، وجاءت نسبة تمثيل الأيزيدية بمثل ما كان متوقعاً. ونسأل الأيزيديين من الذين يتباكون على حقوق الأكراد، كم من مأساة ، كمأساة كحلبجة جرت على الواقع الأيزيدي وكم من تلك الكوارث والمآسي كانت من الزعامات الكردية بفتاوى من رجال الدين الأكراد ، ولعل كلي علي بيك خير شاهد على كلامي هذا. ثم هل من العيب أن تذكر الأكراد في جميع المحافل الدولية مأساة حلبجة على شعبها؟ وإذا كان هذا مشروعاً فلماذا نخجل من أن نذكر نحن ما جرى علينا لكي تكون لنا الشرعية في المطالبة بحقنا. ثم هل تم ذكر الأيزيديين المدفونين في المقابر الجماعية، أو الفقودين تحت أسم الأيزيدية أم ورد أسماءهم كاكراد؟ إذن ما هي الخصوصية؟وماذا تعني الخصوصية؟ ومن من هؤلاء المرشحين يمثل 1% من طموحات المجتمع الأيزيدي؟ ومن منهم يستطيع أن ينطق بكلمة إيزيدي إذا لم يسبقها بكلمة الكرد؟ وماذا قدموا للقضية الأيزيدية كمجتمع له خصوصيته الدينية في تاريخ حياتهم؟ ولكن سوف يطرح الكثيرين دور السيد خدر سليمان وعزالدين سليم وغيرهم في الكتابة والتأليف ولهم الحق في ذلك، وإننا بدورنا نسأل، أين هم الآن من ذلك؟ وهذا واضح وضوح الشمس بأن الأحزاب الكردية تعتم بكل طاقاتها على الواقع الأيزيدي بحيث لا يحصل فيه نهضة مهما كانت قوتها. ولكي ندعم كلامنا هذا بالحقائق نشير إلى ما حصل مع مكتب شؤون الأيزيدية في السليمانية يوم السادس والعشرين من شهر نوفمبر الماضي. لقد دعينا من خلال السيد سمير بابا شيخ إلى تسجيل بعض الطلبات التي تخدم عمل المنظمات الأيزيدية غير الحكومية. وقمنا بتقديم طلب يتضمن الآتي:1- جهاز استنساخ لخدمات الطلبة الفقراء في الجامعة لما يكلفهم من تصوير المحاضرات وكذلك خدمات الرابطة 2- جهاز حاسوب عدد/2 لاقامة الدورات، 3- كاميرا فيديو لتسجيل نشاطات الرابطة و4- مبلغ أربعة ملايين دينار لتغطية إيجار المكتب. وعندما وصل الطلب إلى مكتب شؤون الأيزيدية المتشكل حديثاً، ونعلم بأن معظم أعضائه من الأصدقاء الذين تعاملنا معهم سوية في تأسيس رابطة المثقفين الأيزيديين في الموصل عام 2003، استبشرنا خيراً. وبعد فترة أسبوع دعينا إلى ضيافة كريمة في السليمانية، وعقدنا لقاء في اليوم التالي بحضور السادة جميل خضر عبدال وعادل ناصر. فاستمر النقاش بيننا لفترة ثلاث ساعات وكأننا في صراع سياسي، ثم طلبت بعد طول حديث، ما هو المطلوب منا بناءً على هذه الدعوة؟ فكان ( الجواب الرسمي) هو أن الكردياتي هو الخط الأحمر بالنسبة لأي تعامل من جانبنا. ولكننا ردينا مباشرة بأن الأيزيدياتي هو الخط الأحمر بالنسبة لنا. وقلنا إذا كانت الأيزيدياتي تتقاطع مع الكردياتي، فإننا جملةً وتفصيلاً مع القضية الأيزيدية وسوف لن يتقدم عليها شأن. ومع ذلك رجعنا إلى الموصل وعقدنا إجتماعاً في الرابطة لدراسة الفكرة لكي يكون الرأي جماعي، فكانت القناعة بأننا نرفض أي عمل يخدش استقلاليتنا. ثم أرسلنا لهم رسالة بهذا الشأن، ولكن للأسف لم يتم الرد عليها وسوف لن يتم الرد، حيث قالوا بأن موقفكم من الكردياتي غير واضح. إذاً بماذا يختلف هذا المكتب عن اللجنة الأستشارية إنهما مكاتب حزبية تخدم مصلحة أحزابها على الرغم من إنهم قالوا بأننا لا نطلب أي توجه سياسي ولكن لم ينفذوا أي مطلب غير سياسي أيضاً. وكان السيد حسين مرعان قبل أن يصبح رئيس هذا المكتب قد دعم الرابطة في بداية تأسيسها وجمع من أهالي محلة دنكي من الشيخان في المانيا مبلغ 200 يورو أيضاً مشكورين، ولكن حديثنا هو عن ما بعد تشكيل المكاتب والمجالس الأستشارية لدى كلا الحزبين. أي أن هذه المكاتب لا تستطيع تقديم أي دعم إلاّ على حساب المستقبل الأيزيدي لصالح الأحزاب الكردية، ( تصوروا المطلب والمطلوب!). ومن ناحية تعيين الدكتور ممو وزيراً في الوزارة الجديدة، كان هو الآخر بجهود الحركة الأيزيدية من أجل الاصلاح والتقدم. وعندما علمت الاحزاب الكردية بحتمية التعيين بضغط أمريكي وبعض أعضاء مجلس الحكم، سارعوا وبشكل خاص الحزب الديمقراطي الكردستاني وتحديداً في فجر اليوم الذي تم تعيين الوزراء فيه. واتصلت القيادة الكردية بالأمير تحسين بك والمجلس الاستشاري لتسمية وزير إيزيدي، وقد تم اقتراح الدكتور ممو من اللجنة الاستشارية، ولم يكن تحسين بك موافقاً عليه، ولكنه تنازل نتيجة لضغط اللجنة. وأن ما يؤيد كلامي هذا هو قول الدكتور فؤاد معصوم عندما قال لي شخصياً وبحضور عيدو بابا شيخ، بأنه تركنا مجلس الوزراء ليلاً ولم يكن أسم وزير إيزيدي ضمن التشكيلة الوزارية. ولكن عندما أصبحنا وتم طرح التشكيلات برز أسم الدكتور ممو من بين الوزراء كوزير إيزيدي. فإننا نشكر كل جهد ساهم في هذا الانجاز، ولكن التعمية على كل ما هو ناهض بأسم الايزيدية واعتباره فقاعة، فهذا ما يؤسف له وما نريد من مجتمعنا أن يتعلم منه الدرس.
ولكي نتفهم الأمور بدقة ونفهِمها، يجب علينا دراسة الواقع الجيوسياسي للإيزيديين على ضوء الوضع الراهن وما يكتنفه من غموض وتستر وتعمية على مستقبله. فمن الواضح أن مناطق سكنى الأيزيدية في كل من الشيخان وتلكيف والقوش وبعشيقة هي مناطق تقع ضمن خط الأمان لحدود كردستان، وأن المراكز الدينية الأيزيدية تقع هي الأخرى في نفس المنطقة وهي عامل حيوي وكبير. ولكن ولكي لا يفهم بأننا لسنا راغبين بالانضمام إلى كردستان ونتيجة لما حصلت من مأساة تاريخية لهذه المراكز الدينية سواء من الدولة العثمانية أو العرب أو الأكراد، يفضل أن تكون هناك حماية وضمانة من الامم المتحدة بعدم التجاوز عليها مستقبلاً مع حرية التعبير عن الشعائر واداء الطقوس. لذلك نرى بأن الانضمام إلى التكوينة الكردستانية بدون ضمانات وتحقيق نسب التمثيل على أساس النسبة السكانية وحرية التعددية السياسية وقبول الرأي الآخر والخصوصية الدينية الأيزيدية، هو الذوبان الذي سوف لن تكون له قائمة. وسوف تكون المناطق المذكورة واقعة بين كفتي الرحى التي ستطالها المأساة أول الأمر ومن الطرفين، خاصة إذا ما عرفنا بأنه الآن بدأت بوادر الحرب الأهلية فيما بين العرب والأكراد كمجتمعات وليس كالسابق عندما كانت الحرب فيما بين القيادات السياسية. أي أننا نرى ما يجري من أحداث حالياً ونتعايشها ساعة بساعة ونتلمس مقدار البغض الذي استشرى فيما بين العرب والاكراد كشعوب وليس كسياسات نذير بمثل هكذا فعل. وبذلك سوف يضاف عامل البغض القومي الكردي إلى البغض الديني الأيزيدي وسوف يقع علينا الضرر من كلا الطرفين، أي أن في هذه الحالة (الضمانات)، هي التي يجب أن تكون الأساس في التعامل وليست العاطفة القومية والمصالح الشخصية.
ومن قرائتنا للواقع السياسي الحالي نرى، بأنه القيادات الكردية ممثلة بالحزبين الرئيسيين، الإتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني قد توصلا بشكل جدي إلى قرار إقامة الدولة الكردية كمطلب رئيسي على الرغم من أن المطالبة تجري حالياً على أساس الفيدرالية للعراق. وهذا يعتبر في قناعتنا حق شرعي وطبيعي لشعب بهذا العدد وقدم تضحيات بهذا الحجم على مر التاريخ وإننا على قناعة تامة بأن الأكراد سوف يحصلون على إقامة دولتهم في المستقبل. أي أن المشكلة الكردية سوف تنحل ولو على مستوى العراق فقط لتكون القاعدة للإنطلاق إلى دول الجوار للمطالبة بالدولة الكردية الأوسع والأشمل. ولكن واقع مجتمعات الشرق الأوسط السياسية يشير إلى أنه ستحصل خلافات فيما بين الحزبين الرئيسيين على الزعامة وتقسيم الثروات والتقسيم السياسي، بسبب الاختلاف الآيديولوجي ومصالح الدول الكبرى في المنطقة. لذا ما هو موقع الأيزيدية من هذا التقسيم إذا ما عرفنا بأن جزء منهم سيتبع الحزب الديمقراطي وجزء آخر سيتبع حزب الاتحاد والبقية سوف يبقون بدون أرضية سياسية وسيكون مصيرهم مجهولاً لا يحسدون، وهذا يتطلب عمل سياسي حتمي للإيزيدية وإلاّ سيعيشون على الشحذ والتبعية المهينة والتشرذم.
أما الجانب الآخر من الموضوع والذي يخص واقع الأيزيدية في مثل هكذا ظرف، نرى بأنه عند تحقيق الحلم الكردي في إقامة دولته سوف تتغير الآليات والاجراءات على أرض الواقع. وأن عامل اللغة سيسهل الاختلاط ونية العنصر المسلم الكردي تجاه العنصر الأيزيدي معروفة وخاصة من ناحية الاختلاط الجنسي. فإن المسلم الكردي سوف لا يتوانى بأية طريقة للمطالبة بالصهر العرقي على أساس إننا كلنا أكراد مثلما يحصل الآن في سوريا وتركيا وأرمينيا والخاسر الوحيد هو الأيزيدي. لذا عندما نطالب بالخصوصية الإيزيدية نقصد هكذا مطاليب حيث الأرث والنكاح والميراث والنفقات والتراث الديني والاجتماعي وقانون الاحوال الشخصية هو الذي يحمي كرامة ومستقبل الشعوب وخصوصيتها، وإلاّ لا يهمني ما تكون قوميتي مطلقاً وإنما المهم هو الخصوصية الأيزيدية وأن الأدلة التاريخية لم تأتِ بشكل اعتباطي كما وأن وضع مصيرنا بيد من يحسبنا على الكفار لابد وأن يكشف عن نياته في يوم ما وقد لا تستطيع آنذاك أن تطالب بما تستطيع المطالبة به الآن. لانه هنالك فرق كبير بين الخصوصية الدينية والخصوصية القومية فيما إذا كان هناك اختلاف ديني فيما بين عنصرين ينتميان لنفس الفكر القومي كما نحن عليه الآن. فالتعاون السياسي مطلوب، ولكن ليس على حساب الدين.
وبعد هذه النظرة إلى الواقع، ليس لنا أي حق على القيادات الكردية قبل أن نلق باللوم على قيادلتنا الهزيلة ممثلة بسمو الأمير تحسين بك ونائبه الأمير فاروق بك وسماحة بابا شيخ وكبير القوالين وعدد من رؤوساء العشائر ممن لا يرون الدنيا إلاّ من خلال المصلحة الضيقة التي أحجبت عنهم مصير مئات الآلاف. وسوف يتحملون مأساة ما يترتب علىهذا الخطأ التاريخي، وقد أعلنا مرات عديدة بأن المطلوب هو بناء الشخصية الأيزيدية على أساس خصوصيتها ومن ثم التعامل مع الأحزاب الكردية هو من أقرب الواجبات إلينا. ولكنه دوماً يفسرها ( الأخوان من الكرد الأيزيديين) بأنني ضد القومية الكردية، وحاشى لله أن يكون لي مثل هذا الشأن، وأن العمل الحزبي في أي مكان هو حق مشروع للأحزاب السياسية. كما و إنني على ثقة بأن عشرات الانتقادات ستنهال عليّ ولكن سوف لن أرد سوى على تصحيح ما يرد من خطأ في الفهم. والعجب من الأمر عندما يطالب الأخوة الكتّاب مثل زهير كاظم أو كمال السيد قادر عن الخصوصية الإيزيدية لم يرد عليهم أحد من اخواننا الكرد الأيزيديين، ولكن الردود تقتصر وتنهال على كل إيزيدي يكتب عن معاناته ويطالب بخصوصية الأيزيديين.
أما واقع الأمر في سنجار فهو الآخر بحاجة إلى تحليل، حيث إنه مجتمع عشائري أمي متخلف سياسياً وثقافياً، ومتدهور اقتصادياً ومعيشياً ومقسم إلى واقع طبقي تحكمه مصالح الشيوخ والوجهاء، وقد أخذت العادات والتقاليد البدائية منه حصة الأسد رغم النهضة الواعية فيه في الوقت الحاضر. يضاف إلى ذلك ما اقترفت بحقه سلطة النظام السابق وذلك من خلال التهجير والترحيل في مجمعات قسرية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة المدنية ومن ثم سلب إرادته الانسانية وتجميع أعداء الأمس في نفس الحارة من نفس القرية بشكل متعمد لكي يزداد العنف ولا يستقر المجتمع. وكذلك الواقع والاختلاف السكاني لعموم مجتمع سنجار من الأيزيديين والعرب المسلمين بمختلف الأطياف والمسلمين الأكراد والتركمان وبعد المنطقة جغرافياً عن كردستان ووجود الحاجز الطبيعي (نهر دجلة)، وتبعية سنجار إلى محافظة نينوى منذ الآف السنين والارتباط النفسي بهذه المحافظة، واتهام العرب والتركمان للإيزيديين بأنهم السبب في دخول القوات الكردية إلى سنجار، كل هذه عوامل يجب أن يحسب لها ألف حساب قبل أي تصرّف عملي من قبل المجتمع الأيزيدي في سنجار وتحديد عائديته السياسية، وإلاّ سيكون للإيزيديين شأن آخر في المستقبل مع جيرانهم الذين عاشوا سوية منذ الآف السنين.
إذن وعلى أساس هذه الرؤية نرى، بأنه من أولى الواجبات التي تقع على عاتقنا هو القيام بعمل سياسي منسق يبدأ من الحركة الأيزيدية من أجل الاصلاح والتقدم كونها الحركة السياسية الوحيدة التي تبنت القضية الأيزيدية منذ أول الأمر ولحد الآن مهما كانت قناعاتنا بها. وأن تبادر الحركة بالدعوة إلى عقد مؤتمر يدعو إليها معظم الأيزيدية في مختلف المناطق من الامارة ورجال الدين والمثقفين والعشائر والنساء والطلبة والشباب وعلى مدى يوم واحد يتم فيه مناقشة الأمر ومن ثم تصاغ لجنة لأصدار بيان وتغيير أسم الحركة إلى حزب الشعب الأيزيدي . ولكي لا يساء الفهم من قبل الأحزاب الكردية، فإن هذا العمل ليس إلاّ جانب تنظيمي يصب في مصلحة الأيزيديين والأكراد في آن معاً. لانه لا يعقل أن يمنع تنظيم معين من العمل السياسي في عصر الديمقراطية والتعددية والمصالحة الوطنية، وإلاّ فسيظهر نظام الحزب الواحد من جديد ويدور البلد في نفس الفلك السابق، ولكن بأبراج مختلفة.


علي سيدو رشو / رئيس رابطة المثقفين الأيزيديين في العراق
rashoali@yahoo.com
الموصل في 23/كانون الثاني/2005

تشكيل حزب إيزيدي


علي سيدو رشو

الاخوة الاعزاء المحترمينبارك الله في أي جهد يساهم وبأي قدر كان في خلق نهضة بين عموم الشعب الإيزيدي لكي يفهم دوره في هذه الدنيا التي باتت قرية صغيرة ولكنه لايعلم منها سوى أبناء محلته وقد لم يتسنى له التعرف عليهم جميعاً بسبب الجهل السياسي والضعف الاقتصادي. ولكن هذا ليس عيباً لمجتمع مثل الإيزيديين في وسط إجتماعي وسياسي معروف، إذا ما قارناه مع محيطه الذي لا يختلف عنه سوى في البعد والقرب من مركز الحضارة والتواصل والتي تحكمها عوامل عديدة.أخي الفاضل غانم/ كتبت مقال في 23/12/2005 على صفحة بحزاني الالكترونية ووضحت فيه بعض أهم العوامل التي يمكن أن تنهض بواقعنا في العراق الجديد، وتطرقت فيه أيضاً على واقع الكيانات السياسية والكردية منها بشكل خاص. ثم تطرقت إلى الواقع السياسي في منطقة كردستان والدور المهمش بتعمد حسب استحقاق الإيزيديين فيه، وكذلك دور القيادة الإيزيدية الضعيف والمغيب في كل ما يجري. وطلبت أن يكون هنالك تفعيل عمل الحركة الإيزيدية من أجل الاصلاح والتقدم ولنسميه مثلاً حزب الشعب الإيزيدي بعد مؤتمر عام لجميع القوى والشخصيات الإيزيدية، وتلقيت ردود كثيرة بهذا الخصوص وزرت مقر الحركة وتناقشنا بذلك وكان لهم نفس الرأي ولكن بما يخدم أهداف الحركة (أرجو مراجعته).أعزائي/ لدينا حزب سياسي إيزيدي (الحركة الإيزيدية من اجل الإصلاح والتقدم) ولها حضور في جميع المحافل السياسية العراقية ونشاط واضح ومتميز، فلماذا لا نطور هذه الحركة التي مضى على تأسيسها أكثر من سنتين وقطعت شوطاً في العملية السياسية بدلاً من التفكير بالبدأ من الصفر. ومع جل احترامي لجميع الذين كتبوا في حوار حر حول هذا الموضوع واتهام البعض للبعض الآخر لكيفية تأسيس حزب إيزيدي. أليست هنالك العشرات من الاحزاب الإسلامية على الساحة السياسية العراقية؟ فمنها الكردية ومنها العربية ومنها المسيحية والتركمانية، فلماذا هذه الحساسية في أن يكون لنا حزب سياسي كغيرنا من البشر؟ وما المانع أن يدخل الإيزيدي في أي حزب سياسي آخر كالحزب الشيوعي مثلاً والاحزاب الكردية وفي نفس الوقت يكون هنالك حزب للإيزيديين حالهم حال جميع هذا البشر. هل يجب أن نكون دوماً تابعين لغيرنا؟ هل لا يوجد بيننا من هو أهل لمثل هكذا عمل سياسي؟ لماذا نكون من أكثر الاكفاء لغيرنا وعندما يأتي الحديث عن خصوصيتنا نرتجف وننهار؟ إن المتتبع للحركة التاريخية لتشكيل جميع الاحزاب على الارض يبدو له حقيقة واضحة ألا وهي أن هذه الاحزاب بدأت العمل بشكل متواضع وبأمكانيات مادية بسيطة جداً. ولكن ما أن أعلنت عن تشكيلها حتى تلقت الدعوات من الشخصيات والدول لتقديم الدعم السياسي والمادي والاعلامي، وفي رأيي المطلوب فقط هو الإرادة والإيمان بالقضية. فلنأخذ مثلاً الحزب الديمقراطي الكردستاني، كم كان عدد اعضاؤه في بداية تشكيله، وما الامكانيات المادية التي كان يمتلكها آنذاك وكذا بقية الاحزاب ومنها الثورة الإسلامية والدعوة وغيرهم وهم الآن في سدة الحكم ولكن بعد نضال طويل وتضحيات غالية. فلا نستكثر على أنفسنا باننا غير قادرين على فعل شيء كبير ولكن ببداية متواضعة وسوف ترون بانفسكم الدعم والمساندة على جميع الاصعدة ومن مختلف الجهات. أما أن نحتار في اختيار الاسم ويكون حزب ديني أو قومي، فإننا لا نبتغي لا هذا ولا ذاك لإننا إيزيديون وأية تسمية أخرى لا يمكنها أن تميزنا عن الغير. المهم أن نفكر بعقلية حضارية وبعيدة عن التشنج والاتهام وأن نعتبر الحوار الهادف اساس لكل تعامل وتعاون حتى لو اختلفنا على جميع النقاط والآراء فيما بيننا. فلكل منا نظرته ورؤيته الخاصة به ويجب أن تحترم، أما أن نستسلم ونلوم الآخرين على إنهم هضموا حقوقنا فهذا يعتبر الموت الحقيقي وقانا الله واياكم منها.ومن اطلاعاتي على البعض البسيط من الآراء وجدت اليأس في بعض الافكار والتشجيع في البعض الآخر وهذا في حقيقة الأمر شيء مشجع ويبشر بالخير لإنه بدأنا نتعلم الحوار ونستطيع أن نخلق نقاط تفاهم رغم الاختلاف في الايديولوجيات لكي تصبح مادة للمناقشة وبالتالي مفهوم كبير لكي نبني عليه ما نصبوا إليه.ولكي نعطي الموضوع قيمة أكبر، هل من الممكن أن نعتمد على الشيوخ والوجهاء والمجلس الروحاني في هذا الوسط الذي تلعب فيه السياسة فقط في الساحة؟ وهل نستمر في إتهام الاحزاب الكردية على انها هضمت حقوقنا؟ أليس من الاجدر أن يكون لنا نحن حزب سياسي وتحت أي مسمى لكي يدافع عن خصوصيتنا حال جميع الفئات من الشعب العراقي؟ ولماذا هذا التشاؤم من امكانياتنا المادية والبشرية؟. هنالك ستة عشر حزب سياسي كردي، منها احزاب دينية وأخرى قومية وكذلك الحال مع الاحزاب العربية القومية والدينية. ولكن عندما نأتي نحن الإيزيديون على ذكر شيء من هذا القبيل تنهال علينا من بيننا عشرات التهم بالخيانة والتطرف والعنصرية، وكأنه من قبيل الكفر أن ينهض من بيننا ما يمكن أن يكون عوناً لهذا الإيزيدي الذي لم يذق ما عاناه مجتمع على مر التاريخ. فارجو لكل عمل خيّر التقدم وأرجو أن تتم دراسة هذه الافكار بجدية ودراية وبعيداً عن التشنج والاتهامات. ومن الله التوفيق.علي سيدو رشو/ رئيس رابطة المثقفين الإيزيديين في العراق

الديانة الايزيدية بين الماضي والحاضر

علي سيدو رشو

في بلاد سومر القديمة نشر اور-نمو ، شرائعه باسم الإله الأعظم "شمش" ذلك أن الحكومات سرعان ما رأت في الالتجاء إلى الدين من فوائد سياسية ، فلما أن أصبحت الآلهة ذوي فائدة من هذه الناحية تضاعف عددهم مراراً إلى أن أصبح لكل مدينة ولكل ولاية ولكل نشاط بشري اله موح مدبر(1) . وبذلك فان الحكومات آنذاك كانت تستخدم الآلهة كوسيلة لتحقيق أغراض سياسية وتقوية سلطة الملوك بواسطة النشاط الاقتصادي الذي يحققه الكهنة بأسم الآلهة. وقد عثر في الخرائب السومرية على لوحة نقشت عليها بعض الصلوات وجاءت فيها هذه النذور الدينية الغريبة " إن الضان فداء للحم الآدميين وبه افتدى الإنسان حياته " ، وأثرى الكهنة من هذه القرابين حتى أصبحوا أكثر الطبقات مالاً وأعظمها قوةً في المدن السومرية (2) . وبتقدم الحضارات وقيام الحروب بين الإمبراطوريات القديمة لتبتلع القوية الضعيفة منها ، كانت المعتقدات الدينية والفكرية تتغير هي الأخرى وكان يزداد الميل لاستبدال حكم آلهة الظواهر المتعددة بسلطان الإله الواحد والاقتراب أكثر من فكرة الإله الملموس إلى فكرة الإله المجرد (3) .
في عام 1380 قبل الميلاد (4) ، مات أمنحوتب الثالث وخلفه أبنه امنحوتب الرابع الذي شاءت الأقدار أن يعرف باسم "إخناتون" ،ولم يكن يتولى الملك حتى ثار على دين آمون ، وعلى الأساليب القديمة التي يتبعها الكهنة ،وكان الملك مثالاً للطهر والأمانة ، وأعلن في شجاعة أن تلك الآلهة وجميع ما في الدين من احتفالات وطقوس كلها وثنية منحطة ، أي أن الإنسان بدأ يقيس الأمور بأساليب جديدة وبوعي وإدراك اشمل واكثر دقة وتحديد ، وأن ليس للعالم الأ اله واحد هو "آتون"، وأن الألوهية أكبر ما تكون في الشمس مصدر الضوء وكل ما على الأرض من حياة . ومهما تكن عقيدته في التوحيد ، فقد استعان ببعض الترانيم القديمة وبعض قصائد في التوحيد نشرت في أيام سلفه نشيداً توحيدياً للشمس على لوح محفوظ في المتحف البريطاني . فهي أول شرح بليغ لقصيدة التوحيد ، وأن في القصيدة مذهب حيوي وأن " أتون" لا يوجد في الوقائع والانتصارات الحربية بل يوجد في جميع صور الحياة والنماء ، وأن هذا الإله الحق خالق حرارة الشمس ومغذيها ، وليس في الكرة المشرقة الآفلة من مجد ملتهب إلا رمز للقدرة الغائبة (5) . وأن ما يهمنا من هذا هو ، أن العبادة كانت للشمس لما تراه الأقوام من الأشعة والنور التي تضيْ وتخصب الأرض ، وهناك إشارة واضحة إلى أن القدرة الغائبة هي التي تهب الشمس المتجدد في الظهور والإشعاع والأفول . فقد تصور هذا الملك، أن قرص الشمس يشع على العالم كله " الإله الواحد لا اله غيره "، وبلغ من تحمسه لدينه الجديد ما جعله يناوئ الآلهة الأخرى ويحاول القضاء على عبادتها وحمل الناس على حصر العبادة بذلك الإله الواحد الذي سماه " أتون " وأراد أن يفرض عبادته على جميع أنحاء الإمبراطورية . ففي هذا التطور الروحي بإسناد مصدر الحرارة والإشعاع والخير والنماء الناتج من قرص الشمس إلى قوة أعظم ، هي التي تهب للشمس تلك القوة إشارة واضحة إلى تقدم فكر الإنسان باتجاه التوحيد، بأن وراء كل قوى الطبيعة اله تخضع لارادته جميع __________________________________________________________
1- ديورانت ، قصة الحضارة .م1 ج2 . الشرق الأدنى ص168 .
2- المصدر نفسه : ص28 .
3- د. خليل جندي ، نحو معرفة حقيقة الديانة الايزيدية ، ألمانيا .
4- ورد في الصفحة 171 من كتاب العرب واليهود في التاريخ ، أحمد سوسة ، أن إخناتون عاش ما بين 1375 - 1358 ق.م. ، أي بعد إبراهيم الخليل (ع) بستمائة عام وعلى هذا الأساس فان عمره دام 17 عاماً فقط . بينما ورد في قصة الحضارة ، إن عمره لم يتجاوز الثلاثين ومات 1362 ق.م. والنفس أميل إلى قول ديورانت.
5- سوسة ، المصدر السابق : ص175 .

تلك الفعاليات التي تظهر وتزول وأن فلسفتها قريبة من فكرة ظهور الديانات المركزية التي اعتمدت النبي والكتاب وارشاد الناس إلى الطريق الصحيح . وقد ظهرت آنذاك آراء متعددة بشأن ظهور اله التوحيد ، ومنهم من يربطه بقيام دولة ميديا 622 ق.م. التي مهدت الطريق للانتقال من ظاهرة تعدد الآلهة إلى اله التوحيد ، ومنهم من يقول بأنه بدأ مع البابليين وتسارع في كل مكان فيما بعد. ويقول الايزيديون بأنهم أول من توصلوا إلى فكرة ( خودي – الله ) وطاووس ملك (1).
لقد سار إنسان وادي الرافدين القديم في تأملاته الفكرية ودراسته لواقع الحياة آلاف السنين ممحصاً لأحداث الحياة ومظاهر الطبيعة ، ومعللاً لما كانت تضفي عليه من خير أو شر، ثم بدأ يقتحم العقبة ويختار التجربة حتى أدرك بأن الواقع الذي من حوله يفسر له كل غموض محير بالنسبة لمداركه العقلية واحساساته وملاحظاته العملية (2) . فبلاد ما بين النهرين لم تكن موفقة كبلاد مصر ، فليس فيها جدران تدون عليها بعلامات تعبر عن الإنجازات ، بل توجد فيها أبراج الآجر ذات الارتفاع البسيط المتهدمة التي يلتصق بها أسم وشهرة برج بابل (3) ، وظلت كتاباتها مطمورة تحت الرمل والطين والأنقاض المتراكمة لآلاف السنين . ولقد تبدلت النظرة إلى تلك الأطلال والرموز غير المفككة وأصبحت مجالاً مهماً لمحاولات فكرية أدت بعلماء أوربا إلى التنافس في سبيل الحصول على الغنائم لمتاحفها النامية ، وأدت تلك المحاولات إلى الكشف عن الحضارة التي أدت إلي وجود مثل تلك الأطلال والكتابات إلى ما قبل أكثر من 4000 سنة . وتعتبر النصوص المدونة على الألواح الطينية ذات أهمية أكثر بكثير من الأطلال المكتشفة . وهي تؤكد بأن الحضارة الإنسانية بدأت من تلك البلاد وانتشرت إلى أنحاء العالم ، حالها حال المدنية التي تنشأ دوماً في كوخ الفلاح ولكنها تزدهر في المدينة . فكانت المعتقدات السومرية ومن بعدها البابلية عاملا مهماً في تغليب إنسان وادي الرافدين القديم على الأرض فمنحته الأمل البعيد ، أمل الخلود في الحياة الثانية ، أمل البعث بعد الموت وكان هذا هو الباعث الحقيقي لقيام الحضارات وازدهارها منذ فجر التأريخ .
يمثل تاريخ الكتابة عن الأيزيدية امتداد منذ خمسة آلاف سنة ، أي منذ دراسة الظواهر الطبيعية التي كانت تسيطر على أداء فعاليات الإنسان ، تاريخ سومر وبابل وآشور وما خللتها من فترات تاريخية لم تبرز إلى الوجود بسبب التقييد أو إهمال مؤرخي التاريخ لبعض أهم التطورات والمجتمعات آنذاك . لقد كان التاريخ حينها يهتم بتدوين فعاليات الملوك ومماتهم ، وما تخص الآلهة وأبرز نشاطاتها ، ولكن كان يترشح عن تلك النشاطات ما يفيد الباحث التاريخي بحيث يستنتج ما يهمه إضافة إلى المكتوب في الرواقم الطينية التي طمرتها أحداث الزمن والطبيعة .ولقد اكتشف مؤخراً أحد خبراء الآثار واللغات القديمة ( السومرية والبابلية والآشورية ) ، بأن كلمة (إيزيدي ) تعني الروح الخيرة أو السائرين على الطريق الصحيح . وحسب هذا الاعتقاد فإن تاريخ الإيزيدية يرجع إلى الألف الثالث قبل الميلاد ، وهم بقايا أقدم ديانة من منطقة الحضارات العظمى في الشرق . ومما يؤكد هذا ، ما ورد في قصة الحضارة ( الشرق الأدنى م1 ، ج2 ، ص300 ) ما نصه : كان الشرق الأدنى في عهد نبوخذنصر يبدو للعين الفاحصة البعيدة كأنه بحر خضم يتلاطم فيه خليط من الآدميين ، يأتلفون ثم يتفرقون ، يستعبدون ثم يستعبدون ، يأكلون ثم يؤكلون ، يقتلون ثم يقتلون ، إلى غير نهاية . وكان من وراء الإمبراطوريات الكبرى ومن حولها مصر وبابل وآشور والفرس يضطرب هذا الخليط من الشعوب نصف البدوية نصف المستقرة ؛ الكمريين ، القليقيين ، الكيدوكيين ،البثرينيين ، الاشكانيين ، الميزيين ، الميونيين ، الكربيين ، البمفيليين ، اليزيديين ، واللوكينيين والفلسطينيين والعموريين والكنعانيين والآدميين والمؤابين ، وعشرات العشرات من الشعوب الأخرى التي كانت كل شعب منها يظن نفسه مركز الكون ومحور التاريخ ، ويعجب من جهل المؤرخين وتحيزهم ، إذ لم يخصوه إلا بفقرة أو فقرتين .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جندي ، مصدر سابق : ص
(2) سهيل قاشا ، عيد رأس السنة البابلية ، التراث الشعبي ، العدد (5) ، مجلد (6) – 1975 .
(3) ليو وبنها يم ، بلاد ما بين النهرين ، ترجمة سعدي فيضي عبد الرزاق ، بغداد : 1986 ، ص .
(4و5) ديورانت ، مصدر سابق ، ص

وكان هؤلاء البدو طوال تاريخ الشرق الأدنى خطراً يهدد الممالك التي كانت أكثر منهم استقراراً والتي كانوا يحيطون بها من كل الجهات تقريباً.
وكان الجدب يدفع بهم بين حين إلى حين إلى هذه الأصقاع الغنية فتنشب بينها وبينهم الحرب او يتطلب منها ذلك الاستعداد الدائم للحرب . وفي بحر الأجناس المتلاطم أخذت بعض الدول الصغرى تتشكل ، ويكون لها نصيب صغير في تراث الجنس البشري ، وإن لم يزد نصيبها هذا على أنه تكون ناقلة أو موصلة . ويهمنا من هذه الشعوب المتيانيون وليس ذلك لانهم أعداء مصر الأقدمون في الشرق الأدنى ، بل لأنهم أول الشعوب الهندوربية التي عرفناها في آسيا ولأنهم أول عبدة الآلهة ( مثرا وأندرا وفرونا ) ، التي انتقلت منهم إلى بلاد فارس والهند ، فأعانتنا بانتقالها على تتبع حركة الجنس الذي كان يطلق عليه من قبل الجنس الآري ) *. انتهى الاقتباس.
إن في هذا النص ، إشارة واضحة ودلالة قوية على قدم الإيزيدية كقوم يحمل نفس التسمية الحالية في منطقة وادي الرافدين قبل ظهور الديانات المركزية ، وإنها ساهمت بخلق تلك الحضارة في سومر وبابل وآشور في مرحلة تعدد الآلهة وما بعدها . ويفترض إنها ساهمت كذلك في خلق وتدوين الأساطير ودراسة الطبيعة وحركة الكون والفلك ومراقبة النجوم وتدوين الأحداث آنذاك ، وهذا واضح جداً في الأدب الديني الإيزيدي الآن من حيث التقويم وحساب الفلك والأعياد والمناسبات الدينية . وبذلك لا يمكن تجاهل دورها رغم المعلومات القليلة التي وردتنا من تلك الفترة الزمنية السحيقة وتجاهل المؤرخين لدورها ، والتركيز على بعض تلك الأقوام دون غيرها ، فإن ذلك أمر وارد بالنسبة لمؤرخي التاريخ ، خاصة إذا ما عرفنا يأن مادة ديانات ما بين النهرين كانت إما آثارية أو نصّية ( أي إنها لم تكن مكتوبة كما في مصر القديمة ) ، وأن المادة الآثارية تتألف من بقايا الأبنية خصوصاً تلك التي خدمت الأغراض الدينية كالمزارات والمعابد وأبراجها بالإضافة إلى مادة العبادة وهي التماثيل والطلاسم . وقد يبدو أن مادة التشبيه بطريقة التماثيل والتصاوير كالمنحوتات والأختام والألواح الطينية فإنها من المحتمل أن تلقي الضوء على ديانة بلاد ما بين النهرين وعندئذ من الممكن التفكير بالتشبيهات القصصية المقصود منها تصوير قصة الإله ، بل إنه لا يبدو لمثل هذه التشبيهات أن حصل لها أي دور مهم في ديانة بلاد ما بين النهرين ، ولهذا سيبقى عالم الأسطورة عبارة عن مستودع لمستوى الأدب الخلاّق خلال كل تاريخ بلاد ما بين النهرين (1).
ويشبه الزميل الدكتور خليل جندي في كتابه الموسوم " نحو معرفة حقيقة الديانة الايزيدية " ، بأن الايزيدية تشبه بحد ذاتها تله أثرية طمرتها رمال آلاف السنين ولم يجر التنقيب عن كوامنها إلا قليلاً ، ومن يبتغي معرفة حقيقة معتقدات الايزيدية ، عليه التوقف عند معرفة ظاهرتين أساسيتين مترابطتين من ظواهر الدين : أولهما الايزيدية وطاووس ملك ، وثاني تلك الظواهر هي معرفة أصل ومنبع الأعياد والطقوس الدينية المرتبطة بالتغيرات المناخية .
وبما أن الظاهرة الأولى تشكل المرتكز الأساسي لعماد الدين الإيزيدي وكذلك نقطة خلافه مع الأديان الأخرى ، عليه كنت قد ارتأيت منذ فترة طويلة في البحث في ذات الموضوع ، ولكن ظروف معينة حالت دون المباشرة به لحد الآن ، من خلال إجراء بعض المقارنات بين النصوص الدينية أو بين ما جاءت بها الأديان بخصوص هذه الظاهرة بالذات . فعسى أن نوفق في ذلك ، آملين من السادة الباحثين وذوي الخبرة والاختصاص الرد على ما ترد فيه من أفكار أو توجيه نقد أو بيان الحقائق التي لم نتوصل إليها خدمةً للمسيرة الإنسانية ، بعيداً عن الحساسية مهما كانت لتقر الحقيقة التي أنت مقتنع بها .وقد التقيت بباحث عراقي يعمل في حقل الآثار في فرنسا منذ عام 1979 ، وقال بالنص : لقد شاهدت الأصالة ( Originality ) في الفرد الإيزيدي خلافاً لبقية المجتمع العراقي . .
ـــــــــــــــــــــ
(*) على رأي أمبسن " لأجل أن نصل إلى نتيجة قطعية في أصل المذهب الإيزيدي ، نحتاج دراسة وثيقة في أحوال الشعوب خاصة في آسيا الصغرى أكثر من إتباع لغتها ودينها .

إن التراث الديني الإيزيدي كباقي المعتقدات ، مليء بعبارات التوحيد والزهد والنسك ، وفيه معالجة وافية لمجمل النشاطات الإنسانية ، ولما للنفس من أهواء وشرور وعلاقة ذلك بسلوك الفرد وانعكاساتها على تصرف القلب والعقل ، وكيف أن لكل منهم حجة الدفاع عن نفسه ، ثم الترابط بين عالمي المادة والروح . ففقهاء الأديان عامة لم يصلوا إلى تلك الدرجات الروحية إلا بعد أن لجموا حواسهم ، وطهروا أنفسهم من الأدران والشوائب المتعلقة بالنفس ، وانزووا في أعماق الكهوف ، وأسدلوا الأبواب على أنفسهم كي يتصلوا روحياً بالخالق . وبعد رياضات مجهدة ، تفتقت أذهانهم وأفكارهم عما وهبهم الله من بصيرة كي يشرحوا واقع حال المجتمعات وما يخص الدين والدنيا ، وهي فلسفة الديانة الإيزيدية التي ابتنت أركانها على التصوف والمجاهدة ورياضة النفس بما عليها أن تتحمل من مشاق النفس لتنال رضا ربها الرحيم .
في كل مذهب من المذاهب هناك جزءاً من الحقيقة مهما كان من خطئه ، بل في كل عقيدة من العقائد مهما بلغ من تهافتها وأمر الخرافات التي قد تلتقي بها مع بعض أصحاب المعتقدات الدينية ، فإن من المؤكد أن عقائدهم كانت تحتوي في الأصل – إن لم نقل لا زالت تحتوي حتى الآن – على قسط من الصواب – قل أو كثر – وحسبنا أن ننظر إلى سائر الديانات التي طالما تمسك بها البشر وفي كل زمان ومكان لكي نتحقق من أنها جميعاً تشترك في خاصية واحدة ( على الأقل ) ، ألا وهي الإيمان بحقيقة عليا تتجاوز نطاق العقل ، وتغدو دائرة الفهم .
ففي العاطفة الدينية إحساس غامض بوجود قدرة فائقة للطبيعة لا يمكن للعقل البشري أن يفضي أسرارها ، عليه فإن "الدين " ليس شيئاً مصطنعاً أخترعه العقل البشري بوحي من نزوات خياله ، أو تحت تأثير مخاوفه وآماله ، وإنما هو وليد تأثير الطبيعة والأشياء على الإنسان ، بمعنى إنه رد فعل تلقائي للفكر والقلب البشريين استجابة لتأثير العالم الخارجي على الوجود الإنساني (1) . وبذلك يقول محمد عبدة في فلسفة تاريخ الأديان : كان من الحكمة أن يجيء دين يخاطب الحواس ( اليهودية ) ، ثم تدرجت الإنسانية ودق حسها ، ولطف شعورها ، فجاء دين يناسب هذا الحال فيخاطب القلب والشعور ( المسيحية ) . ثم بلغ الشعور الديني إكمال نضجه فظهر دين يخاطب العقل ويشركه مع العواطف والإحساس ( يقصد الإسلام ) . ولكن هذه الأديان الثلاثة متفقة في جوهرها ما دامت تنشد عبادة الله ولا تشرك به ، ولأنها نزلت لهداية الناس في صدق وإخلاص ، لأن الدين حاسة عامة لكشف ما يشتبه على العقل من وسائل السعادات ، ثم هو موازين العقل البشري التي وضعها الله لتحد من شططه وتقلل من خلطه وخبطه (2) .
ويبدوا أن معظم الفقهاء والفلاسفة الذين كتبوا عن الديانات وحللوا مفاهيمها وفسروا حيثياتها ، أشاروا إلى أن تلك الديانات ظهرت إلى الوجود بمجرد توفر المقومات المادية لها ألا وهما : النبي والكتاب . لكن الواقع الذي يشير إلى هذا المفهوم ليس بهذه البساطة ، بل أن الظرف الذي ظهرت فيه الديانة اليهودية مثلاً كان ، وكأنه رد فعل للأعمال الفرعونية التي أثقلت كاهل الإنسان ، بتحميله فوق طاقته ، ووصل الحال بالمجتمع إلى قمة الطغيان والفساد والاستغلال ، بحيث شعّرته آنذاك بحقوقه وأصبح يبتهل إلى القيم العليا لرفع الظلم المادي عنه . أي إنه أصبح مؤهلاً لأن يتقبل فكرة جديدة ، وللباري في ذلك حكمة عظيمة - ومن الفلسفة أن نشيد بدور فرعون في تقبل الإنسان لفكرة تطبيق الديانات فيما بعد – بأن يجعل من الإنسان يشعر بحقه من قسوة الظلم الذي يسلط عليه ، وهو أيضاً بإرادة منه جلّت قدرته . ومع ذلك ، وكون إنسان تلك الأيام قد تعوّد على تحمل الظلم ، كان يحصل إخفاق في إيصال تلك الرسالة إليه ، ويرغب في تحمل الظلم القديم ليس حباً به ، وإنما خوفاً من فشل تلك الرسالة والعودة به إلى قسوة الظلم السابق والبطش به من جديد ، وهكذا دواليك .
ــــــــــــــــــــــــ
(1) تراث الإنسانية ، مجلد 3 ، الدار المصرية للنشر والترجمة والتأليف : ص19 .
(2) تراث الإنسانية ، مجلد 2 ، الدار المصرية للنشر والترجمة والأليف : ص761 .

لقد رافق حال المجتمع متغيرات على واقعه ، بين ما عليه أن يتخلى عن معتقداته التي ترسخت في ذهنه وأصبحت مع الزمن جزءاً من سلوكه ومعتقده الديني ، وبين أن يتقبل الجديد الغير واضحة المعالم ، فبرزت في فكر الإنسان ما يجب قبوله بالتعليمات الربانية رداً على التصرفات المادية مثل ظلم فرعون لموسى وقومه والتي استطاع فيها التغلب على ما جرى له من امتحان ، وقبله ما جرى لإبراهيم الخليل (ع) مع نمرود ونجاته من المنجنيق الذي أنشأه نمرود له بنفسه ، وبمشاركة قومه الذين رأوا نجاة إبراهيم من المنجنيق ليكون شاهداً على عظمة الخالق أمام قومه وزرع الشك فيهم على أن هناك قوة أكبر من نمرود هي التي ساعدت على نجاة إبراهيم (ع) من نار نمرود . بعد هذه الوقائع المادية ، بدأ الشك يهاجم فكر الإنسان وبدأت معها تغيرات فلسفية في وجدانه ، بحيث اهتز لما حدث وحسب لما يدور حوله ألف حساب ، وكأن لسان حال المجتمع يدفع به إلى قبول الإرشادات والتعليمات التي يأتي بها المصلحين . وما أريد الوصول إليه هو ، أن واقع المجتمعات والتجارب المادية التي تمت الإشارة إليها ساعدت كثيراً على قبول الأفكار والإرشادات الموحى إلى الأنبياء والمصلحين ، ولكن بعد ترسيخ تلك القناعات المادية في أفكارهم ، وأن البذرة الأولى لقبول الديانات الجديدة كانت قد نمت في رحم الديانات القديمة التي ظهرت في كل من بلاد مصر وبلاد ما بين النهرين ، بدليل أن الديانات المركزية الثلاث ظهرت في هذه المنطقة .
السؤال ، لماذا لم تدخل الإيزيدية واحدة من هذه الديانات ، رغم الحملات والاضطهادات والفتوات التي صدرت من رجال الدين ونفذها قادة عسكريون راح ضحيتها مئات الآلاف من الشباب والشيوخ وسبي النساء والتمثيل والتنكيل ؟ . والجواب بكل بساطة ، إنها توحد الله قبل ظهور تلك الديانات ، وتعتبر نفسها ليست بحاجة إلى من يرشدها إلى عبادة الله على طريقتها الجديدة لأن رسوخ حقيقة التوحيد في الديانة الإيزيدية لا يرقى إليها أية عقيدة ، وذلك واضح من الأدعية والابتهالات والنصوص الدينية المتعددة سوف نأتي إلى ذكرها لاحقاً إن شاء الله .

* رئيس رابطة المثقفين الأيزيديين في العراق.
Rasho_as@hotmail.com